أما قول البحتري:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما ان رأينا لفتح ضريبا
هو المرءُ أبدت له الحادثا ... ت عزمًا وشيكًا ورأيًا صليبا
تنقل في خلقي سؤدُدِ ... سماحًا مرجى وبأسًا مهيبا
فكالسيف ان جئته صارخًا ... وكالبحر ان جئته مستثيبا [1]
فيقول فيها عبد القاهر الجرجاني:"فاذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك ووجدت لها اهتزازًا في نفسك فعد فانظر في السبب واستقصِ النظر فانك تعلم ضرورة ان ليس الا أنه قدم وأخر وعرف ونكر وحذف واضمر واعاد وكرر وتوخى على الجملة وجهًا من الوجوه التي يقتضيها علم النحو فاصاب في ذلك كله ثم لطف موضع صوابه" [2] ، ويريد الشيخ عبد القاهر (رحمه الله) في نصه أن الشاعر قد قدم وأخر وعرف ونكر ... الخ، بعد أن اعتمد ضوابط معيارية اللغة باخضاعه النص للنظام الذي يقتضيه علم النحو.
وخلاصة القول في هذه الفقرة من البحث: إن مستويات تأليف التراكيب النحوية تكون على مستويين:
(الاول) : مستوى الصواب او الصحة النحوية وهو ماتمت دراسته،
(والآخر) : هو مستوى الجودة والابداع وذلك بأن يستوفي التركيب النحوي وجها من وجوه النحو فتوصف بنيته بالاستقامة، ومن ثم نبحث السمات الأسلوبية فيه.
2 -مستوى الجودة:
انتهينا في الفقرة السابقة الى أن مستوى الصواب او الصحة النحوية يكون اولًا، لأن الابداع الادبي يعد"أولًا وقبل كل شيء فنًا لغويا" [3] ، لذا تعود خاصيات الجودة او الرداءة في النص الادبي الى فروق الاستعمال التي ترفع منشئًا وتخفض اخر.
ومستوى الجودة عند سيبويه هو (المستوى البلاغي) في بنيات التراكيب النحوية وفيه تتضح الفاعلية الاسلوبية وقد اعتمد لبيان هذا المستوى نصوص القرآن
(1) ديوان البحتري: 1/ 101.
(2) دلائل الاعجاز: 120.
(3) قضايا النقد الادبي والبلاغة، الدكتور محمد زكي العشماوي: 311.