على تسلسلها يؤدي الى فهم الكلام العربي ومن ثم التمكن من التصرف بأساليبه للتعبير عن الاغراض المختلفة.
وبذلك نقر بأن ابن جني قد اسهم في تطوير دراسة تأليف الكلام واساليب التعبير باستعمال البنيات المختلفة لصور التراكيب النحوية من خلال فهمه لوظيفة الالتزام بقواعد النحو فهمًا عميقًا واعيًا لأن النحو عنده دليل على اختلاف المعنى الاسلوبي لتركيب العبارة وترابط عناصرها. [1]
وقد طبق ذلك فعلًا في كتاب (الخصائص) ومن ذلك قوله في باب (في الفرق بين تقدير الاعراب، وتفسير المعنى) :"هذا الموضع كثيرًا مايستهوي من يضعف نظره الى أن يقوده الى إفساد الصنعة وذلك كقولهم في تفسير قولنا: (أهلك والليل) معناه: (الحق اهلك قبل الليل) فربما دعا ذاك من لادربة له الى ان يقول: (اهلك والليل) فيجره وإنما تقديره (الحق اهلك وسابق الليل) " [2] ، فهو يدعو النحويين الى مراعاة الصحة النحوية قائلًا:"وان كان تقدير الاعراب مخالفًا لتفسير المعنى تركت تفسير المعنى على ما هو عليه وصححت طريق تقدير الاعراب حتى لايشذ شيء منها عليك ... فتفسد ما تؤثر اصلاحه، الا تراك تفسر نحو قولهم: (ضربت زيدًا سوطًا) ان معناه (ضربت زيدًا ضربة بسوط) ، وهو لاشك كذلك ولكن طريق اعرابه أنه على حذف المضاف، أي (ضربته ضربة سوطٍ) ... ولو ذهبت تتأول (ضربته سوطًا) على أن تقدير اعرابه (ضربة بسوط) ... للزمك أن تقدر أنك حذفت الباء" [3] .
واذا كان للباحث من رأي فهو يرى أن ابن جني قد شمل في دراساته البحث في الوجوه الشكلية اعرابا وبناءً الى جانب دراسة الوجوه الاسلوبية في بنية التراكيب النحوية ومدى موافقتها لسنن العرب في لغتهم وهو ما أنتهى اليه الدرس النحوي في العصر الحديث او كاد ينتهي الى عد دراسته مع الاسلوبية مبحثا واحدًا يعرف بـ (البحث النحوي) وتعالج فيه قضايا الشكل من حيث البنية والصحة النحوية كما تعالج فيه قضايا التراكيب النحوية من حيث المعنى والدلالات الاسلوبية [4] .
(1) ينظر: اساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين، الدكتور قيس اسماعيل الاوسي: 38 - 39.
(2) 1/ 279؛ وينظر: كتاب سيبويه: 1/ 275.
(3) الخصائص: 1/ 284؛ وينظر: اسرار البلاغة: 330.
(4) ينظر: تطور الدرس النحوي، الدكتور حسن عون: 95.