فبناها في وجنة الدهر خالا [1]
غصب الدهر والملوك عليها
فلو قال الشاعر (هي خال في وجنة الدهر) - لكان التركيب على غير ما اراده الشاعر لكونه قد جعل للدهر وجنة وجعل في هذا البناء (خالا) في الوجنة وهو منصوب على الحال من قوله (فبناها) [2] ، وأيضًا نجد ذلك في قول الشاعر:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... انصاره بوجوه كالدنانير [3]
فالشاعر لم يرد ظاهر التركيب بالاخبار عن (سيلان شعاب الحي على الممدوح) بل اراد انه مطاع في الحي وانهم يسرعون في نصرته حين يدعوهم وان الممدوح لايدعو انصاره لحرب او نازل خطب الا اتوه وكثروا عليه [4] .
ولو قال الشاعر بالطريق المباشر في ارادته للمعنى انه: (سيد مطاع في قومه) لما رأينا ذلك الحسن في بنية التركيب النحوي وعندما نحلل النص فان الشاعر لم يقصد معنى ظاهر التركيب النحوي وانما جعل المخاطب يصل الى اغراض المتكلم من خلال المعنى لانه قد استعار الفعل (سال) للدلالة على سرعة استجابة الانصار لذلك الداعي ولو قسمنا الخطوات التي مر بها مقصد المتكلم يكون الاتي:
اللفظ ... المعنى ... معنى المعنى
سالت عليه شعاب الحي ... سرعة الانصار في الاستجابة ... انه مطاع في اتباعه
او انه سيد مطاع في قومه مجاب في ندائه
ومنه ايضا قوله تعالى على لسان زكريا: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [5] فلو كانت بنية التركيب في غير القرآن (اشتعل شيب الرأس) او (اشتعل الشيب في الرأس) وهو الوضع الاول (الاصلي) للتركيب النحوي لذهب حسن الاستعارة على الرغم من
(1) ديوان المتنبي: 2/ 588.
(2) ينظر: دلائل الاعجاز: 134.
(3) وهو لسبيع بن الخطيم التيمي، ينظر: دلائل الاعجاز: 111، و130.
(4) ينظر: المصدر نفسه: 111.
(5) سورة مريم، من الآية: 4.