الصفحة 48 من 208

لذلك نجد الشاعر قد وضع المصدر موضع الفعل لانه اراد الحدث ولم يرد أن يحدد الزمان، فقد أوثر المصدر على الفعل لان المصدر يحتمل"المضي والحال والاستقبال لأنه ليس في صيغته مايدل على تحديد زمن" [1] ، فقوله: (أتطرب؟ ) يدل على الحال فعدل الى المصدر ليدل على زمن مستمر يتجدد بسبب نصبه المصدر،"واما الفعل فأنه يقصد فيه الى ذلك فاذا قلت: (زيد هاهو ذا ينطلق) ، فقد زعمت أن الانطلاق يقع فيه جزءا فجزءًا وجعلته يزاوله ويزجيه، وان شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف فتأمل هذا البيت:"

لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق [2]

"ولو قلته بالفعل: (لكن يمر عليها وهو ينطلق) لم يحسن" [3] ، لأن الشاعر يريد الدوام والثبات، لا التغير والحدوث، فنرى دقة ارتباط اللفظ بدقة اختيار الصيغة ويبين لنا اثرها الوظيفي في بنية التركيب النحوي واسلوبيته لانها عنصر من عناصر ربط الكلام وتعليق بعضه ببعض، ففي قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [4] ، وقع الخبر اسم فاعل (باسط) ولو قيل في غير القرآن (يبسط ذراعيه) لم تؤد المعنى المطلوب إذ تؤذن بمزاولة الكلب البسط وإنه يتجدد له شيئا بعد شيء [5] ، وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [6] ، نجد ان اسم المفعول وضع موضع فعله لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وفيه تمكن الوصف وثباته وهو ماليس بالفعل، ولو قيل في غير

(1) معاني النحو، الدكتور فاضل السامرائي3/ 142؛ وينظر: المقتضب، 3/ 214.

(2) البيت للنضر بن جؤية، ينظر: شرح ديوان الحماسة، ابو علي المرزوقي 4/ 1735.

(3) دلائل الاعجاز: 183؛ والتبيان في علم البيان المطلع على اعجاز القرآن: 49؛ والبرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 141.

(4) سورة الكهف، من الآية: 18.

(5) ينظر: دلائل الاعجاز: 183؛ والتبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن: 149؛ والبرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 141.

(6) سورة هود، من الآية: 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت