الصفحة 41 من 208

وذلك باعتماد (حركة إعرابية) معينة تشير الى الترتيب المعياري للتركيب ووضع الكلمات في مواضعها الاصلية، لان اعتماد حركة بديلة تشير الى تحرك الكلمة عن موضعها الاصلي قد لا يؤدي المعنى الذي يريد المتكلم ايصاله الى المتلقي ومنه قول أبي النجم العجلي:

قد اصبحت ام الخيار تدعي ... عليَّ ذنبًا كلُّه لم اصنعِ [1]

فعندما يذهب الشاعر الى النصب على تقديم المفعول به فيقول: (كله لم اصنع) ، فذلك يقتضي أن يكون قد اتى من الذنب الذي ادعته بعضه، اما الرفع، فيجعل من الشاعر معتمدًا على الثوابت النحوية في التركيب (مبتدأ + خبر) .

وذلك مايريده ويشير الى انها (تدعي عليه ذنبًا لم يصنع منه شيئًا البتة لاقليلًا ولا كثيرًا ولابعضًا ولاكلا) على عكس النصب الذي يمنع هذا المعنى [2] .

ومما يعزز هذا الرأي عندي قول الشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني:

فكيف وكلٌّ ليس يعدو حمامه ... ولا لأمرئٍ عما قضى الله مزحل [3]

وغيره من الابيات الشعرية التي تناولها سيبويه وابن جني والجرجاني [4] ،

ففي نصب (كل) على ارادة المفعول به المقدم يفسر المعنى ويشير الى ان (بعض الناس يسلم من الحمام) [5] .

فكل تغيير في العلامة الاعرابية لابد ان يتم على وفق غرض اسلوبي لأن السمات الاسلوبية الخاصة بالبنية التركيبية تختلف من علامة الى اخرى، فالنصب غير الرفع لأن النصب يشير الى اعمال الفعل بالاسم على غير مايشير اليه الرفع وهو الابتداء، ومنه تحليل سيبويه مشيرًا الى الفرق الاسلوبي بين الرفع والنصب الذي يؤدي الى تغير المعنى، اذ يقول:"ومثل ذلك قول الشاعر":

يشكو اليَّ جملي طول السُرى ... صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى [6]

والنصب اكثر واجود لأنه يأمره، ومثل الرفع: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ} [7] ، كأنه يقول: (الامر صبرٌ جميل) " [8] ."

فالشاعر قد عدل عن نصب (صبر) الى الرفع على الإخبار وأراد برفع كلمة (صبر) الدلالة على دوام الصبر فان نصب كان الصبر متغيرًا غير ثابت، لأن النصب يجعل من المصدر نائبًا عن الفعل الدال على الحدوث والتغيير في كل مرة.

وان الترابط بين بنية التركيب النحوي والعلامة الاعرابية، يسهم في أسلوبية الافصاح عن معنى التركيب وبنيته ويؤدي وظيفة في رصف الكلمات داخل بنيته، جاء في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [9]

قال الزمخشري:"فان قلت: فماله رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لاعطى ماهو عكس الغرض لان معناه اثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: (ألم ترني أنعمت عليك فتشكر؟ ) ، ان نصبته فأنت نافٍ لشكره شاك تفريطه فيه، وان رفعته فأنت مثبت للشكر" [10] .

وبذلك نجد الفاعلية الاسلوبية للعلامة الاعرابية لاثبات صحة الكلام واتساق إعرابه ومن ثم الاستدلال ببنيته التركيبية، فالملامح الأسلوبية لبنية التركيب النحوي قد

(1) ينظر: كتاب سيبويه، 1/ 85 ومابعدها، والخصائص، 1/ 292؛ ودلائل الاعجاز: 270؛ واسرار البلاغة، عبدالقاهر الجرجاني: 360؛ ومغني اللبيب عن كتب الاعاريب؛ ابن هشام الانصاري، 1/ 220، و2/ 552 و 676.

(2) ينظر: دلائل الاعجاز: 270؛ والتبيان في علم البيان المطلع على اعجاز القرآن، ابن الزملكاني: 56؛ والبرهان الكاشف عن اعجاز القرآن، ابن الزملكاني: 148.

(3) شرح ديوان الحماسة، التبريزي 1/ 136، و (مزحل) بمعنى: مفر ومنتحى.

(4) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 85 - 86؛ والخصائص: 1/ 292؛ ودلائل الإعجاز: 270 - 275.

(5) ينظر: دلائل الاعجاز: 273؛ والتبيان في علم البيان المطلع على اعجاز القرآن: 57؛ والبرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 147؛ والطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز، 2/ 196، ومابعدها.

(6) وينسب إلى الملبد بن حرملة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وفي شعره جاء:

(يشكو إلي فرسي وقع القنا) ينظر: شرح أبيات سيبويه، أبو محمد يوسف بن أبي سعيد السيرافي، تحقيق: محمد علي الريح هاشم: 1/ 208.

(7) سورة يوسف، من الآية /18.

(8) كتاب سيبويه، 1/ 321؛ وينظر: شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي: 1/ 208؛ ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 2/ 617 و 683 و 701.

(9) سورة الحج، من الآية / 63.

(10) الكشاف عن حقائق التنزيل، جار الله الزمخشري، 3/ 168؛ وينظر: الاسلوبية في دراسات الاعجاز القرآني حتى القرن السادس الهجري: 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت