ومن هنا فإن لكل كلمة معناها الاساس والسياقي الذي يحدد معنى التركيب، ومن ثم فإن ارتباط التركيب النحوي بالسياق يمنحه المعنى الاسلوبي [1] .
ان اسلوبية بنية التركيب النحوي ترتكز على القيم التعبيرية وطرقها المختلفة (الاستفهام، والتقديم والتأخير، والذكر والحذف، والايجاز ... ) التي تتشكل تراكيبها بالسياق لتعبر عن حاجات المتكلم ومقاصده التي وقف الباحث على جوانب كثيرة منها [2] .
وقد بينت من خلال مجموعة العوامل الموضوعية التي تناولتها بأن علماء العربية في دراستهم للاسلوبية اللغوية لم يكن اهتمامهم بالتركيب النحوي فقط بل تخطوا ذلك إلى ما يحيط به من حيث الربط بين بنية التركيب النحوي ومجموعة من العوامل الخارجة عن التركيب، منها: الاختيار المتعلق بالمبدع او المتكلم والعناية بالمخاطب وتأثير النص الادبي وقيمته التعبيرية في الحالة النفسية والشعورية للسامع او المتلقي فكل كلام يرتبط بمقام استعماله، ولذلك لابدّ لكل موقف ومقتضى حال من تركيب اسلوبي وسياق يتلاءم معه.
ومن الامثلة على ربط التركيب النحوي بمقام استعماله ومراعاة مقتضى حاله حالات (الخبر) في (التركيب الاسمي) وذلك عندما تدل على عدد من المواقف التي تستدعي تركيبًا على وفق سياق يجعل من بنية ذلك التركيب ذات اثر اسلوبي لايتوافر في غيرها من البنيات الاخرى ومن تلك الحالات:
اولا: ... العمدة في التركيب الاسمي (المبتدأ والخبر) :
أ - الاخبار بالنكرة والمعرفة:
وذلك من خلال العناية بسياق الحال (سياق الموقف) وهو الظروف المحيطة بالتركيب النحوي التي تستدعي تركيز الاهتمام على بنية تركيبية معينة وهو اختيار يحدد العلاقة بين موضوع التركيب والاسلوب والسياق الذي جاء عليهما، ومن ذلك فروق الاثبات في الخبر، فعندما نقول: (زيد منطلق) ، و (زيد المنطلق) ، و (المنطلق زيد) ، يكون لنا في كل واحد من هذه التراكيب غرض خاص وفائدة لاتكون في الباقي.
يقول عبدالقاهر الجرجاني:"اعلم أنك اذا قلت: (زيد منطلق) كان كلامك مع من لم يعلم ان انطلاقًا كان لامن (زيد) ولامن (عمرو) فإنت تفيده ذلك ابتداءً، واذا قلت: (زيد المنطلق) ، كان كلامك مع من عرف ان انطلاقًا كان إما من (زيد) وإما من (عمرو) ، فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره والنكتة: أنك تثبت في الاول الذي هو قولك: (زيد منطلق) فعلًا لم يعلم السامع من اصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو (زيد المنطلق) فعلًا قد علم السامع أنه كان" [3] .
واذا قلت: (المنطلق زيد) ... يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانًا ينطلق بالبعد منك فلم تثبته ولم تعلم (أزيد هو أم عمرو) فقال لك صاحبك (المنطلق زيد) أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو (زيد) [4] .
فالمخاطب عند عبدالقاهر الجرجاني يعد عمادًا اساسًا ترتكز عليه ارادة التعريف او التنكير عند المتكلم ولاسيما اذا كان الامر خاصًا به [5] .
وتنكير المسند (الخبر) أو تعريفهُ يُنتج تفاوتًا في المعنى، وموقف المتلقي من حيث علمه أو جهله بالخبر يوجب على المخبر افهامه وتعريفه به.
ومن أجل ذلك فإن المتكلم يجد في كثير من الاوقات ضرورة مراعاة الموقف والسياق ولاسيما في مقام المدح او الذم او الوصف لكي يتوصل الى اقناع المتلقي بما يشبه اليقين بثبوت الحكم، وإنه قد بلغ من الوضوح والشهرة درجة لامجال معها لانكار منكر، فيعمد الى تعريف الخبر (المسند) لكي يُشعر المتلقي ويوحي اليه أن المتكلم إنما يريد الاخبار بحقيقة ثابتة معروفة مشهورة وليس حكمًا مجهولًا ومن ذلك مانجده في بيت حسان بن ثابت الانصاري الذي يقول:
وانّ سنامَ المجدِ من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدُك العبد [6]
(1) ينظر: الاسلوب والاسلوبية، بيير جيرو: 43 - 44.
(2) ينظر: الفصل الثاني من الاطروحة.
(3) دلائل الاعجاز: 185.
(4) المصدر نفسه: 193.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 193.
(6) الديوان: 118، ويروى الشطر الثاني:
(بنو إبنة مخزوم ووالدكَ العبد)