الصفحة 172 من 208

وان كل عمل ادبي تختلف قيمته بناءً على جنسه وسياقه حتى تجد كل تركيب نحوي تختلف قيمته بين نص وآخر حسب السياق الذي وضع فيه وهو مايوجه طبيعة بنيته الاسلوبية وبما يتم فيه المطابقة بين التركيب والموقف والسياق، فلو قلنا مثلا: (السيلُ حربٌ للمكان العالي) في خطاب عادي، قاصدين بذلك (ان السيل لايحتبس في المرتفعات) فإن قولنا هذا اعتيادي لا يقيم في النفس اثرًا فنيًا ... ولكننا اذ وضعنا هذا التركيب في بيت شعر، كما فعل ابو تمام الطائي بقوله:

لاتنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي [1]

"فالجملة تتغير في احداث الأثر وفي تحريك المخيلة وذلك لأن دخولها في سياق مختلف، جلب معه طاقة مختلفة لهذه الجملة" [2] .

ولذلك فإن بنية التركيب النحوي تكون في اللغة الابلاغية (المستوى النحوي) خارج السياق الذي يقتضيه المقام (الموقف) ذات معنى وحينما نضعها في سياق اللغة الابداعية (المستوى الفني) تصبح ذات معنى آخر قد يكون مغايرًا للمعنى الاول في لغة الابلاغ على الرغم من معرفتنا بأن هذه البنية لها عناصر متشابهة في الاسناد وجنسه. فدلالة السياق تعطي التركيب النحوي من المعاني مالايخطر على بال (المتكلم الاعتيادي) وذلك عندما يضعه (المبدع) في سياق اللغة الفنية.

وان الايحاءات التعبيرية الناشئة من تماسك (المقام والمقال والسياق) في النص من خلال ترابطها فيما بينها في التراكيب النحوية يقودنا الى مفهوم اوسع يمكن أن نسميه (المستوى الاسلوبي) للتركيب النحوي المتجاوز للترابط اللفظي وان الفاعلية الاسلوبية في بنية هذا التركيب ترجع قيمتها الى نظام العلاقات القائمة بين عناصر ذلك التركيب والتي خلقت بنية جديدة شأنها اظهار امكانية اللغة في استثارة المتلقي [3] .

وهذا مايقودنا الى القول بأثر الظروف الخارجية التي تحيط بالحدث اللغوي وهو مايسميه البلاغيون (المقام) عندما اشاروا الى ذلك بمقولة (لكل مقام مقال) أي أن الحدث اللغوي او التركيب النحوي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالموقف الذي يقال فيه [4] .

(1) ديوان ابي تمام: 2/ 302.

(2) السياق ودلالته في توجيه المعنى، فوزي ابراهيم عبدالرزاق (اطروحة دكتوراه) : 7 - 8.

(3) ينظر: اتجاهات البحث الاسلوبي، شكري عياد: 148؛ والنظم في المنظور النحوي والبلاغي: 33.

(4) ينظر: علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة: 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت