الصفحة 163 من 208

وعلى هذا المعيار يتم انشاء بنية التركيب النحوي لمواجهة فكر المتلقي لإلغاء او تعديل مايعتقده لأن الخطاب يتوجه اليه [1] .

وقد تناول عبد القاهر ايضًا اثر التقديم والتأخير في المعمول مع وجود (إنما) ، وأوضح ذلك في تحليله قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [2] .

فقال:"في تقديم اسم الله - عز وجل - معنى خلاف مايكون لو أُخر" [3] ، فتقديم اسم الله تعالى إنما كان لغرض قصر الخشية ويخبر بأنهم (العلماء) دون غيرهم [4] .

"ولو أخر ذكر اسم (الله) وقدم (العلماء) ، فقيل: (إنما يخشى العلماء الله) لصار المعنى ضد ماهو عليه ولصار الغرض بيان (المخشي) من هو والاخبار بأنه (الله) تعالى دون غيره، ولم يجب حينئذ أن تكون الخشية من الله تعالى مقصورة على (العلماء) ، وان يكونوا مخصوصين بها كما هو الغرض في الآية" [5] .

والقصر المستفاد من (انّما) قصر اضافي أي لايخشاه الجهال وهم اهل الشرك ... والمراد بالعلماء: (العلماء بالله والشريعة) " [6] ."

ويعود ويذكر أن التقديم مع القصر بـ (انما) كالتقديم مع القصر بـ (ماو الا) ، ويشير الى"أنّ الاختصاص مع (الا) يقع في الذي تؤخره من الفاعل او المفعول به، فكذلك يقع مع (انما) في المؤخر منهما دون المقدم فإذا قلت: (انما ضرب زيدًا عمرو) كان الاختصاص في الضارب، واذا قلت: (انما ضرب عمرو زيدًا) كان الاختصاص في المضروب" [7] .

ويبدو لنا من هذه التحليلات أن عبد القاهر الجرجاني تفوق على سابقيه فتناول التراكيب النحوية وهو مدرك للجانب النحوي الدقيق الذي اختمر في ذهنه فاستقبل"مكان اللفظ من العبارة في صحو اكبر بفضل النحو" [8] ، بعد أن عالج غفلتهم ونبه

(1) البلاغة العربية، قراءة اخرى: 263.

(2) سورة فاطر، من الآية /28.

(3) دلائل الاعجاز: 320.

(4) المصدر نفسه: 312.

(5) دلائل الاعجاز: 321.

(6) تفسير التحرير والتنوير: 22/ 304.

(7) دلائل الاعجاز: 322.

(8) الصورة الادبية: 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت