الصفحة 162 من 208

ومن ذلك اجتماع (إنَّ وما) ومن ثم دخولها على التركيب الاسمي، يجعل من الكلام المركب منها ومن التركيب الاسمي اجمالًا"يتلوه تفصيل" [1] . وذلك يتبين من قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [2] وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [3] ، وقوله جل شأنه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [4] .

فكأن المراد أن يقال: (أن الأمر العظيم والشأن الخطير، الله إله واحد، ووليكم الله ورسوله والذين آمنوا، وانت منذر) [5] .

ومما يراه الباحث عند دراسته تناول عبد القاهر الجرجاني التراكيب النحوية وتأكيده اسلوبية بنياتها في التعبير عن حاجات المتكلم من خلال التطابق بين الموقف والتركيب النحوي، هو مراجعته لاقوال سابقيه والافادة منها وتصحيح مابدا له من زلات وماغمض او نقص منها، فيرد على ابي علي الفارسي (ت 377هـ) في قوله:"قال ابو علي في الشيرازيات: يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [6] ، ان المعنى: (ماحرم ربي الا الفواحش) [7] : (قال) وأصبت مايدل على صحة قولهم في هذا وهو قول الفرزدق:"

انا الذائد الحامي الذمار وانما ... يدافع عن احسابهم أنا أو مثلي [8]

فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبًا او منفيًا فلو كان المراد به الايجاب لم يستقم ألا ترى أنك لاتقول: (يدافع أنا) ، و (لايقاتل انا) ، وإنما تقول: (ادافع واقاتل) " [9] ."

وهو يشير بذلك الى أن القصر بـ (انما) لايكون مساويًا للقصر بـ (ما والا) على الاطلاق، وانما قد يتساويان في بعض المواضع ويختلفان في مواضع أخرى كثيرة، ويقول في ذلك:"وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء وبين أن يكون الشيءُ الشيءَ على الاطلاق" [10] .

فليس كل موضع تصح فيه (انما) ، تصح فيه (ماوالا) ، ويمثل على ذلك بقوله:"الا ترى إنها لاتصح في مثل قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ} [11] ، ... اذ لو قلت: (إنما من إله الله) ... قلت مالايكون له معنى" [12] ، ونجد هذا الفرق بين التركيب النحوي المقصور بـ (انما) او المقصور بـ (ما النافية المهملة والا) على مايراه عبد القاهر ذلك"أن موضوع (انما) على أن تجيء لخبر لايجهله المخاطب ولا يدفع صحته" [13] ، أما النفي والاستثناء (ما والا) فيكون لأمر"ينكره المخاطب ويشك فيه، فإذا قلت: (ما هو الا مصيب) ، أو: (ماهو الا مخطيء) ، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ماقلته" [14] ، ومثل ذلك في قول المتنبي:

إنما أنتَ والدٌ والأبُ القا ... طعُ أحنى من واصل الأولاد [15]

فالشاعر"لم يُردْ أن يعلم كافورًا أنه (والد) ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه الى اعلام ولكنه اراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم" [16] . لذلك لايصح في (إنما أنت والدٌ) ، (ما أنت الا والدٌ) .

(1) نحو المعاني: 133.

(2) سورة النساء، من الآية: 171.

(3) سورة المائدة، من الآية: 55.

(4) سورة الرعد، من الآية: 7.

(5) ينظر: نحو المعاني: 133.

(6) سورة الاعراف، من الآية: 33.

(7) ينظر: المسائل الشيرازيات: أبو علي الفارسي، دراسة وتحقيق: علي جابر المنصوري، (أطروحة دكتوراه) ، القسم الثاني، المسألة التاسعة عشر: 307.

(8) الديوان تحقيق الصاوي: 2/ 712، وتحقيق المستشرق جيمس د. سايمز: 191، ويروى عندهما:

أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

(9) دلائل الاعجاز: 311 - 312.

(10) دلائل الاعجاز: 313.

(11) سورة آل عمران، من الآية: 62.

(12) دلائل الاعجاز: 313.

(13) المصدر نفسه: 313.

(14) المصدر نفسه: 315.

(15) ديوان المتنبي، شرح الواحدي: 2/ 657.

(16) دلائل الاعجاز: 314.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت