ويبدو للباحث من قول ابن جني انها تهمل عندما تكون بمعنى (نعم) ، وقال سيبويه في ذلك:"واما قول العرب في الجواب (إنه) ، فهو بمنزلة (أجل) ، واذا وصلت قلت: (انّ يافتى) ، وهي التي بمنزلة أجل" [1] .
ويعدّ اهمال (انّ) المشبهة بالفعل واستعمالها بمعنى حرف الجواب (نعم) او (أجل) احدى"ادوات التعبير في يد الشاعر او الكاتب، ومن ثم تصبح جزءًا من الظاهرة الاسلوبية" [2] .
والمستوى النحوي (المعياري) للتركيب لم يكن له قبل أن يستعمله المبدع، الا قيمته الوجدانية الطبيعية، وانما يكتسب قيمته الاضافية، أي القيمة (الاسلوبية) ، حين يستخدمه المبدع قاصدًا عنصرًا في تشكيله الاسلوبي"لأن هذهِ اللغة هي المادة التي يعمل فيها المبدع العربي وهي ليست مادةً غفلًا، بل انّ لها شكلًا في غاية الترتيب والاحكام" [3] .
ويتضح لنا هذا الترتيب والاحكام في تناول عبد القاهر الجرجاني اذ يقول:"ومما تصنعه (انّ) في الكلام أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ، أعني أن تكون محدثًا هاهنا بحديث من بعدها، ومثال ذلك قوله:"
إن شواءً ونشوةً ... وخبب البازلِ الامونِ [4]
قد ترى حسنها وصحة المعنى معها ثم إنك إن جئت بها من غير (انّ) فقلت:
شواءٌ ونشوةٌ وخببُ البازلِ الامونِ
لم يكن كلامًا فإن كانت النكرة موصوفة وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها فإنك تراها مع (إنّ) أحسن وترى المعنى حينئذٍ اولى بالصحة وأمكن" [5] ."
وفي إهمال (إنّ) بدخول (ما) الكافة التي تمنعها من (نصب المبتدأ ورفع الخبر) [6] ، فاعلية أسلوبية، لأن ذلك يحدث لها من المعنى مالم يكن فلذلك ميزت منها وهي موضوعة لإفادة معنى الحصر [7] ، والتوكيد والتخصيص.
(1) الكتاب: 3/ 151.
(2) اللغة والابداع، مبادئ علم الاسلوب العربي: 76.
(3) اللغة والابداع، مبادئ علم الاسلوب العربي: 78.
(4) البيت لسَلْمى بن ربيعة، ينظر: شرح ديوان الحماسة، المرزوقي: 3/ 1137؛ وشرح ديوان الحماسة، ابو تمام: 330.
(5) دلائل الاعجاز: 302 - 303؛ وينظر: البرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 159.
(6) ينظر: المفصل في علم العربية: 2/ 185؛ وشرح المفصل: 8/ 58.
(7) ينظر: البرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 161.