في الحقيقة ومحصول الحديث ... انما هو للمتكلم نفسه لالشيء غيره" [1] . اذ يُعمل المتكلم الفعل او يهمله تبعًا لحاجاته في التعبير عن اغراضه."
ومن الادوات التي تهمل عمل الفعل وتحقق فيه فاعلية المعنى الاسلوبي او تمنحه سمة اسلوبية تجعله يتخطى المستوى النحوي المتواضع عليه (ما التي تكف الفعل عن رفع الفاعل) ، أي تبطل عمله في الاسماء فيكون المعنى غير ماكان عليه اولًا في الاعمال، لأن (الاعمال) هو المعيارية أما (الاهمال) فهو (عدول عن تلك المعيارية) الى مايشير الى الفاعلية الاسلوبية في بنية التركيب النحوي، من ذلك قول الشاعر عمر بن ابي ربيعة:
صددت فأطولتِ الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم [2]
وتقدير الكلام في التركيب: (قلما يدوم وصال على طول الصدود) [3] .
ومعناه أن دوام الوصال قليلٌ وقد يراد منه عدم وجود الوصال مع الصدود [4] وهذا مايؤكد وجوب دقة الاختيار بين الكلمة المفردة ووظيفتها النحوية التي يحددها لها النظام النحوي في بنية التركيب.
"فكل تغيير في النظام يتبعه تغيير في التركيب والاسلوبية تبين لنا الكيفية التي حدث بها التغيير" [5] .
وما الكافة عن عمل الرفع"لاتتصل الا بثلاثة افعال هي (قل، كثر، طال ... ) ولايدخلن حينئذ الا على جملة فعلية صرح بفعلها" [6] ، لانه عندما"دخلت (ما) على الفعل نفسه فكفته عن عملهِ وهيأته لغير ماكان قبلها متقاضيًا له" [7] ، وعليه فحقها في بيت عمر بن ابي ربيعة ان يليها الفعل صريحًا والشاعر اولاها فعلًا مقدرًا وان (وصال) مرتفع بالفعل (يدوم) المحذوف والمفسر بالمذكور [8] .
ودخول (ما) الكافة على الفعل يمنحه من المعنى مالم يكن فيه وهو يعمل برفعه للفاعل، والا فإن الكلام يصبح غير مؤتلف، لأن الكلم قسمان"مؤتلف وهو الاسم مع الاسم، والفعل مع الاسم، وغير مؤتلف وهو ماعدا ذلك كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف" [9] .
وبذلك تميزت هذه الافعال من غيرها من خلال اثرها الاسلوبي في التعبير عن قصد المتكلم، يقول سيبويه في ذلك:"ويقول: (قلما سرت حتى ادخلها) اذا عنيت (غير سير) ... ، من قبل أن قلما نفي لقوله (كثر ما) [10] ."
ويبدو للباحث أنّ اسلوبية التركيب النحوي"تتخذ احدى السمات اللغوية نقطة انطلاق لها" [11] ، وهو مايتوافق مع اتجاهات الاسلوبية المعاصرة التي تدعو الى المطابقة بين اسلوبية اللغة واسلوبية الموقف [12] ، فأهتمت بدراسة الوقائع اللغوية ... وتوخت بذلك الحفاظ على علم مستقل للاسلوب يتجه الى بنية التركيب النحوي [13] .
ومن الافعال التي تعمل وتهمل (ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت، وزعمت ومايتصرف منها) ، قال سيبويه:"فاذا جاءت مستعملة فهي بمنزلة رأيت واعطيت في الاعمال ... وذلك قولك) أظنّ زيدًا منطلقًا)، و (أظن عمرًا ذاهبًا) ... و (هذا إخال اخوك) ، و (فيها ارى ابوك) ، وكلما اردت الالغاء فالتأخير أقوى، وكلٌّ عربي جيد" [14] .
وعلى هذا فنحن نجد التركيب النحوي في الاعمال يتكون من:
(فعل + فاعل + مفعول به أول + مفعول به ثانٍ)
اما في الاهمال فيتكون من:
(مبتدأ مرفوع + فعل + فاعل(مهمل) + خبر مرفوع).
(1) الخصائص: 1/ 110.
(2) ينظر: الديوان: 502
(3) كتاب سيبويه: 1/ 31؛ ومغني اللبيب عن كتب الاعاريب: 2/ 653.
(4) ينظر: معاني النحو: 4/ 589.
(5) الاسلوبية في دراسات الاعجاز القرآني حتى القرن السادس الهجري: 115.
(6) حاشية مصطفى الدسوقي على مغني اللبيب: 1/ 307.
(7) الخصائص: 1/ 168.
(8) ينظر: حاشية مصطفى الدسوقي على مغني اللبيب: 1/ 307.
(9) دلائل الاعجاز: 410.
(10) كتاب سيبويه: 3/ 22.
(11) الاسلوب والاسلوبية، بيير جيرو: 52.
(12) ينظر: المصدر نفسه: 49.
(13) ينظر: المصدر نفسه: 49.
(14) كتاب سيبويه: 1/ 119.