ويبدو للباحث أن القيمة الاسلوبية للعطف في ترابط اجزاء السياق وتناسق معناها في بنية التركيب النحوي مما ينتج عن ترابط هذه الاجزاء تركيب مناسب للموقف الذي يريد المبدع التعبير عنه.
وإن معالجة ظاهرة العطف عند عبدالقاهر الجرجاني من منظور نحوي قد حدد قيمتها التركيبية مما يربطها بالنظم من خلال عنصر الاختيار لاداة العطف ومناسبتها لبنية التركيب الذي يشير الى المعنى المقصود وكل ذلك يخضع لتقسيم استقامة الكلام وحسنه او استحالته وقبحه او قلته، واشار الى ذلك بقوله:"فأمر العطف إذن موضوع على أنك تعطف تارة جملةً"على جملة وتعمد الى جملتين او جمل فتعطف بعضًا على بعض ثم يعطف مجموع هذه على مجموع تلك" [1] لانه لايستقيم الكلام ولاتحصل منافعه التي هي الدلالات على المقاصد الا على وفق ترتيب خاص بين اجزاء الكلام وذلك من خلال مراعاة احكام النحو، [2] "حتى يأتي التركيب النحوي على أعلى مستوى في اللغة وارقى اسلوب في البيان" [3] ."
ومن المواضع المهمة التي اشار اليها عبد القاهر في ربط التراكيب النحوية استبدال الرابط، لكي يستطيع المتلقي فهم القيمة الاسلوبية لمعنى بنية التركيب النحوي فيبين لنا ذلك من خلال استبدال الفاء العاطفة بـ (انّ) المشبهة بالفعل، اذ يحلل بيت بشار بن برد:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... انّ ذاك النجاح في التبكير [4]
فيقول:"وإعلم أنّ من شأن (ان) اذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء (الفاء العاطفة) مثلًا وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرًا عجيبًا فأنت ترى الكلام بها مستأنفًا غير مستأنف مقطوعًا موصولًا معًا، أفلا ترى أنك لو اسقطت (انّ) من قوله (انّ ذاك النجاح في التبكير) لم تر الكلام يلتئم ولرأيت الجملة الثانية لاتتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء بالفاء فتقول:"
بكرا صاحبي قبل الهجير ... فذاك النجاح في التبكير" [5] "
(1) دلائل الاعجاز: 243.
(2) ينظر: اسرار البلاغة: 65.
(3) التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر: 139.
(4) ديوان بشار بن برد: 3/ 203.
(5) دلائل الاعجاز: 266.