وفي التركيب الثالث، (ثم) تفيد الترتيب والتراخي ومعنى التراخي المهلة فعندما تقول: (أكلوا ثم شربوا) كان المعنى انهم قاموا بـ (الاكل) اولًا وبعد ذلك بمهلة قاموا بـ (الشرب) .
يقول سيبويه:"ومن ذلك: (مررت برجل ثم امرأة) ، فالمرور هنا مروران، وجعلت (ثم) الاول مبدوءًا به واشركت بينهما في الجر" [1] .
وجاء في المقتضب:"وثم مثل الفاء الا أنها أشدّ تراخيًا" [2] .
وقد اوضح لنا الجرجاني أنّ في العطف (فروقًا) خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة وذلك"لغموضه ودقة مسلكه" [3] .
وهو بذلك يحدد الابعاد الاسلوبية لعطف التراكيب من خلال تناوله لظاهرة العطف وقد اسس لذوقه الاسلوبي من خلال تقسيمه مواضع (الفصل والوصل) في التراكيب النحوية وذلك بقوله:"انّ الجمل على ثلاثة اضرب:"
1 -جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد فلا يكون فيها العطف البتة لشبه العطف فيها لو عطفت بعطف الشيء على نفسه، فترك العطف فيها لاستقامة الكلام بدونه والفاعلية الاسلوبية لها استغناؤها بربط معناها عن حرف عطف يربطها، ومن ذلك قوله تعالى: {الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [4] فقوله تعالى {لا رَيْبَ فِيهِ} بيان وتوكيد وتحقيق لقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} وهو بمنزلة أن تقول: هو (ذلك الكتاب) ، هو ذلك الكتاب فتعيده مرة ثانية لتثبته، وليس تثبيت الخبر غير الخبر، فكل عبارة نعيدها تفيد توكيدًا وتثبيتًا من غير حاجة الى ضام يضمه اليه ولاعاطف يعطف عليه [5] .
(1) الكتاب: 1/ 438.
(2) المبرد: 1/ 10.
(3) دلائل الاعجاز: 223.
(4) سورة البقرة، الآيتان / 1، 2.
(5) ينظر: دلائل الاعجاز: 227 و228