الصفحة 130 من 208

صرخ بارفع صوته، فقال الناس (رفع عقيرته) [1] ، أي (رجله المعقورة) ، وصار ذلك يطلق على الانسان اذا رفع صوته فقيل (قد رفع عقيرته) ولو ذهبنا الى اشتقاق ذلك بأن نجمع بين معنى الصوت وبين معنى (ع ق ر) لبعد ذلك عن المعنى المقصود وتعسف الكلام [2] .

وقد صار التركيب يطلق على الذي يرفع صوته من دون معرفة سبب التسمية الاول أي: أصبح المجاز مساويا للحقيقة وذلك يعود الى"وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصد له من اغراضها" [3] ، ومن ثم المخاطب بحاجة الى قرينة ليعرف نوع الاستعمال (هل هو مجازي او حقيقي) وهذا مايجعل التركيب منتقلا الى المدلول الثالث مما يعد تطورًا بالمعنى بحسب مايراه اللغويون المحدثون ويسمونه (تطورا في الدلالة) ويطلق عليه معاصرو عبد القاهر (مجازًا في اللفظ) ، لأنه جيز باللفظة اصلها واطلقت على غير ماوضعت له ابتداء" [4] ، ومن ثم عدولها إلى معنى المجاز المساوي للحقيقة لكثرته وشهرته، فكان أن تأولت لمعنى ثالث تم العدول إليه عن المجاز الأول إلى مجاز آخر، وهو ما يمكن أن يسمى (مجاز المجاز) ."

وعلينا ان لاننسى وجود صلة دائمة تشير الى هذا التطور وتبين"أن اللفظ اصلا كان مبدوءا به في الوضع ومقصودا وان جريه على الثاني انما هو على سبيل الحكم يتأدى الى الشيء من غيره" [5] .

فاللفظ يوضع اولا لمعنى الحقيقة ثم يعدى الى المجاز فيصبح مرة اخرى مساويًا للحقيقة بسبب الكثرة والاتساع والشهرة وبذلك"يصح ان يقال: لو كان واضع اللغة وضع (اليد) اولا للنعمة ثم عداها الى (الجارحة) لكان حقيقة فيما هو الآن مجاز ومجازًا"

(1) الخصائص: 1/ 66؛ وينظر: 248.

(2) ينظر: المصدر نفسه 1/ 248.

(3) المصدر نفسه: 1/ 248.

(4) عالم اللغة، عبد القاهر الجرجاني، المفتن في العربية ونحوها، ص 237.

(5) اسرار البلاغة: 366.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت