فيما هو حقيقة" [1] ،"وهنا نكتة جامعة وهي أن المجاز في مقابلة الحقيقة، فما كان طريقا في احداهما من لغة او عقل فهو طريق في الآخر" [2] ."
ونخلص الى أن المدلول الثالث او المعنى الثالث هو عدول عن المجاز والحقيقة معًا عندما يتساويان فلنا حاجة الى التجوز لكي نبين أن هذا المعنى هو مجاز عن المجاز المساوي للحقيقة وكما تم ايضاحه فيما سبق.
ويفهم البعد نفسه من ابعاد العلاقة بين الحقيقة والمجاز من خلال وصف علماء العربية المجاز بانه فرع على الحقيقة التي هي الاصل والاصل بطبيعته اقدم من الفرع ولذلك يكون العدول عن الحقيقة الى المجاز عدولا عن نمط اقدم الى نظام مستحدث [3] ، ومن ثم العدول عن المجاز والحقيقة المتساويين في المعنى الى مدلول ثالث هو مجاز عنهما وتطور حدث للغة.
لذلك نستطيع القول: إن للمجاز أثره الواسع في نحو اللغة وتطورها وان مجاز الابداع اذا شاع وانتشر بين طبقة الادباء والمثقفين، فإنه يحتاج الى استعمال آخر يتجلى فيه الابتكار والخلق مما يثير دهشة المتلقي ويبهره ويجعله يبحث عن وجه العلاقة بينه وبين الحقيقة لذلك يرى ابن الاثير: أن (التوسعات المجازية) هي من ابتداع اهل الخطابة والشعر"ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع" [4] .
فالمعنى الثالث هو المعنى المجازي"الذي يزخر بالمعاني المتعددة وليس محددًا ابدًا واحتمالاته الاسلوبية لاحصر لها ولاحد لانها تتحمل عددًا لايحصى من التأويلات" [5] .
وهو يعني بمفهوم ابن جني وعبدالقاهر عدولا عن المجاز المساوي للحقيقة لكثرته واتساعه وشهرته [6] ، وهو عند المحدثين تطور في دلالة اللفظ على المعنى
(1) أسرار البلاغة: 377.
(2) المصدر نفسه: 379.
(3) نظرية اللغة في النقد العربي، الدكتور عبدالحكيم راضي: 158.
(4) المثل السائر في ادب الكاتب والشاعر: 1/ 109.
(5) الاسلوبية في دراسات الاعجاز القرآني حتى القرن السادس الهجري: 258.
(6) ينظر: الخصائص: 2/ 447، و 453؛ واسرار البلاغة: 377و 379.