ولايجوز الحكم على التركيب النحوي بأنه مجاز الا بأحد أمرين:
الاول: ..."أن يكون الشيء الذي اثبت له مما لايدعي احد من المحقين والمبطلين أنه مما يصح أن يكون له تأثير في وجود المعنى الذي اثبت له وذلك نحو قول الرجل: (محبتك جاءت بي اليك) ... فهذا مما لايشتبه على أحد إنه مجاز" [1] .
الثاني: ... أن"يكون قد علم من اعتقاد المتكلم انه لايثبت الفعل الا للقادر ... كنحو ماقاله المشركون وظنوه من ثبوت الهلاك فعلًا للدهر" [2] ، ويعد ذلك اسنادًا حقيقيًا، كما في قوله تعالى: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ} [3] ، ومن ذلك ايضًا قول ذي الاصبع العدواني:
اهلكنا الليل والنهار معًا ... والدهر يعدو مصممًا جذعا
فكان طريق الحكم عليه بالمجاز أن تعلم اعتقادهم التوحيد" [4] ."
ونخلص من ذلك إلى أن المجاز في التركيب النحوي هو اسناد احد ركنيه أو كليهما الى ملابس له بتأول وله ملابسات شتى منها ملابسة الفعل الى فاعل ليس له حقيقة وانما بتأول وكذا المفعول به والمصدر وظرف الزمان والمكان او تكون الملابسة بكلا ركني الاسناد وكلاهما يدل بظاهر لفظه على الحقيقة ولكن يوضعان تحت باب المجاز بتأول القرينة فينتقل معناهما الى المجاز كما في قول رؤبة بن العجاج:
فنام ليلي وتجلى همي [5]
فالفعل (نام) لايدل على غير (النوم) و (الليل) كذلك لايدل على غير معنى (الليل) وهذا ظاهر اللفظ، ولكن اسناد بعضهما إلى بعض في تركيب واحد جعل منهما مجازًا لأن (الليل لاينام وكذا الهم لايتجلى) [6] .
(1) اسرار البلاغة: 359.
(2) المصدر نفسه: 359.
(3) سورة الجاثية، من الآية: 24.
(4) اسرار البلاغة: 359.
(5) هو البيت الخامس من قصيدة يمدح بها الحارث بن سليم من آل عمرو وسياقه:
ورقاء دَمي ذئبها المدعي ... حارث قد فرجت عني غمي
فنام ليلي وتجلى همي ... وقد تجلى كرب المحتم
الديوان: 142.
(6) ينظر: دلائل الإعجاز: 282.