وانما اراد (الليلة ليلة الهلال) ولكنه اتسع ... والرفع في جميع هذا عربي كثير في جميع لغات العرب" [1] ."
ولو حللنا ما قاله نجد ان التركيب الاول يتكون من الفعل ومرفوعه (نائب الفاعل) ، اما التركيب الثاني فيتكون من المبتدأ والخبر وهو (تركيب بسيط) ، إذ تتكون بنية كل منهما من ركنين هما (المسند والمسند اليه) وكان المجاز في التركيبين في اقامة المضاف اليه محل المضاف وعند وضع مخطط للتركيبين نجد أن:
الدال = مسند + مسند اليه او مسند اليه + مسند
المعنى الاول = فعل + نائب فاعل = تركيب فعلي بسيط
(الحقيقه) ... = (سير) + (اليوم)
او = مبتدأ ... + خبر ... = تركيب اسمي بسيط
(الليلة) + (الهلال)
المعنى الثاني = سيره اليوم كله
(المجاز) ... = الهلال على طول الليلة
وهذا يشكل حصيلة اسلوبية في التركيب النحوي لأنه تم استعمال بنيته (استعمالًا مجازيًا) من حيث اقامة المضاف اليه - وهو لايمثل احد اركان الاسناد - ليحل محل المضاف الذي يمثل في التركيب الاول (سير عليه اليوم) نائب الفاعل وفي التركيب الثاني (الليلة الهلال) ، الخبر وهي في الاصل وظائف النحو التي يظهر من خلالها الاستعمال الحقيقي للمفردات داخل بنية التركيب النحوي ومن ثم تلتقي مع المعاني المجازية لقاء تلازم نصها داخل السياق اللغوي فتصبح قادرة على منح بعضها بعضًا دلالات وفاعليات خاصة تعد المستوى الابداعي للغة الذي يعكس النظرة الرحبة للغة في التعبير عن امكانياتها في الكشف عن اغراض المتكلم التي يود ايصالها للمتلقي [2] .
وقد اخذ اللغويون معنى الاتساع في كلام العرب واستعملوه تحت مصطلح (المجاز) للدلالة على نقل الالفاظ من معنى الى معنى آخر، قال ابن جني:"وانما يقع (المجاز) ويعدل اليه عن (الحقيقة) بمعانٍ ثلاثة وهي (الاتساع والتوكيد والتشبيه) فان عدم هذه الاوصاف كان الحقيقة البتة" [3] ، وقال في موضع آخر"الا ترى أنك اذا قلت (بنو فلان يطؤهم الطريق) ففيه من السعة اخبارك عما لايصح وطؤه" [4] لأن تقدير الكلام: (يطؤهم أهل الطريق) [5] ، فأقام المضاف اليه مقام المضاف (الفاعل) .
ويبدو للباحث أن اكثر استعمالات المجاز عند الأوائل انما تحدث في اقامة كلمة مقام كلمة وهو مايسمى (المجاز اللغوي) الذي اصبح فيما بعد أحد نوعي المجاز عند علماء البلاغة، قال عبدالقاهر الجرجاني:"وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل وان كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز" [6] ، وقال كذلك في تعريفه بأنه"مفعل من (جاز الشيء، يجوزه) إذا تعداه، واذا عدل باللفظ عما يوجبه اصل اللغة وصف بأنه مجاز على معنى انهم جازوا به موضعه الاصلي او جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولًا" [7] .
وقد جعل شرطا لاطلاق المجاز على اللفظ"وهو أن يقع نقله على وجه لايعرى معه من ملاحظة الاصل" [8] .
وللمجاز في العربية انواع من خلال تسميات مختلفة ولكن يمكن أن نضعها تحت نوعين هما (المجاز اللغوي والمجاز العقلي) على ماذهب اليه عبدالقاهر الجرجاني اذ يقول:"واعلم أن المجاز على ضربن مجاز عن طريق اللغة ومجاز عن طريق المعنى والمعقول" [9] .
(1) كتاب سيبويه: 1/ 216.
(2) ينظر: الصورة البلاغية عند عبدالقاهر الجرجاني منهجًا وتطبيقًا: 1/ 253.
(3) الخصائص: 2/ 442.
(4) المصدر نفسه: 2/ 446.
(5) كتاب سيبويه: 1/ 213؛ وينظر: الخصائص: 2/ 446.
(6) دلائل الاعجاز: 105.
(7) اسرار البلاغة: 365.
(8) المصدر نفسه: 365.
(9) المصدر نفسه: 376؛ وتنظر: الصفحات 344، 345.