شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعي [1]
"المعنى لامحالة: (أن يرى مبصر محاسنه وسمع واع اخباره وأوصافه) فحذف الشاعر المفعول به ولو ذكره مارأينا هذا الحسن [2] ."
وهذا يدل على اتساع اللغة لألوان كثيرة من التصرف وأول من اشار الى ذلك سيبويه الذي يرى أن الحذف للتوسع في اللغة اكثر من أن يحصى [3] ، ومنه قول الحطيئة:
وشر المنايا ميت بين أهله ... كهلك الفتى قد أسلم الحي حاضره [4]
وتقدير الكلام، (شر المنايا منية ميت بين اهله) ، فحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه على وجه التوسع [5] .
والتوسع في اللغة يجعل منها لغة فنية وهو في الارجح لايخالف القواعد الاصلية على كل حال والا اصبح التركيب النحوي غفلًا ذا بنية غير مقبولة وان مخالفة هذه البنية لمعيارية اللغة يعد تعقيدًا لأن هذه المخالفة"لايمكن أن تجري بدون ضابط" [6] ، كما سبقت الاشارة الى ذلك في المبحث الاول من هذا الفصل.
ومن الشواهد على تقدير المحذوف رجوعًا إلى الأصل اللغوي، الذي يختفي فيه الابداع الفني مع ذكر المحذوف، ويصبح معه الكلام غثًّا، مانجده في قول البحتري:
لو شئت لم تفسد سماحة (حاتم) ... كرمًا ولم تهدم مآثر (خالدٍ) [7]
(1) ديوان البحتري: 2/ 1244، وهو في مدح المعتز بالله.
(2) ينظر: دلائل الاعجاز: 170، والبرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 243.
(3) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 215.
(4) لم يذكره في ديوانه، ينظر: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، ابو بكر الانباري: 451 بدون نسبة؛ وينظر: شرح ابيات سيبويه، ابو محمد يوسف بن ابي سعيد السيرافي، تحقيق: محمد علي الريح هاشم: 256.
(5) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 215؛ وشرح ابيات سيبويه: 256.
(6) اللغة والابداع، مبادئ علم الاسلوب العربي: 83.
(7) ديوان البحتري: 1/ 508 وهو من قطعة يعاتب فيها الشاعر يوسف بن محمد.