وأما ما إنجزم بالتمني فقولك: (ألا ماء أشربه) ، و (ليته عندنا يحدثنا) .
وأما ما إنجزم بالعرض فقولك: (ألا تنزل تصب خيرًا) ، وانما إنجزم هذا الجواب: كما انجزم جواب (إن تأتني) ، بـ (إن تأتني) لأنهم جعلوه معلقًا بالاول غير مستغنٍ عنه إذا ارادوا الجزاء كما (أن تأتني) غير مستغنية عن (آتك) " [1] ."
فقد حمل معنى جواب الامر والنهي والاستفهام والتمني والعرض على معنى جواب الشرط.
وقد اكمل سيبويه كلامه:"وزعم الخليل أن هذه الاوائل، كلها فيها معنى (إن) فلذلك انجزم الجواب لانه اذا قال: (إئتني آتك) ، فإن معنى كلامه (ان يكن منك إتيان آتك) ، ... واذا قال: (ليته عندنا يحدثنا) فان معنى هذا الكلام (إن يكن عندنا يحدثنا) [2] ، ومنه قول الراجز: [3] "
متى أنام لايؤرقني الكري ... ليلًا ولا أسمع أجراس المطي
كأنه قال: (ان يكن مني نوم من غير هذه الحال لايؤرقني الكريُّ) ، كأنه لم يُعد نومه في هذه الحال نومًا" [4] ."
وهذا الجانب من البحث يشير الى أن الحمل على المعنى من هذه الزاويةله صلة في الوقوف على أغراض المتكلم في التعبير عن حاجاته، لأن هذا الغرض يجعل المتكلم متحكمًا بكلامه.
فعندما يحذف بعض أجزاء التركيب هو غيره عند تكرار كلمة بلفظها او بالضمير، لان الافصاح عن المعنى لايتم عن طريق ظاهر اللفظ او عن طريق الذكر او بالحذف وغيرها من اساليب العربية.
وذلك يجعل بعض التراكيب لايُفهم القصد منها الا بتقدير المحذوف في بنيتها وبعضها الآخر يحصل فيه العكس فنرى فاعليته الاسلوبية لاتظهر الا بالحذف وهذا ماسيتم تناوله في قابل البحث.
فالحمل على المعنى إذن توجيه لكل مخالفة بين ظاهر اللفظ وغرض المتكلم في التعبير عن مقصده، فيحذف بعض اجزاء التركيب ان وجد ذلك يخدم حاجاته، فقد يكون اظهار هذا الجزء يجعل من بنية التركيب على الرغم من مطابقتها معيارية اللغة خالية من الأثر الاسلوبي الذي تتميز به لغة الابداع او قد يؤدي الى قبح التركيب فيمتنع حمله على الوجه المعياري (القياسي) لأمر يتعلق بغرض المتلكلم ومنه قوله تعالى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} [5] ، فحذف المفعول به (المضاف) وأقام المضاف اليه مقامه (القرية) ، وهو يريد (اسأل أهل القرية) واعمل الفعل في (القرية) [6] ، ومن ثم في التركيب نفسه حذف (الفعل) في قوله (والعير) وهو يريد (وأسأل العير) . وان هذا التقدير يدرك من غرض المتكلم لا من ذات التركيب النحوي لأن اظهاره"لا مساغ له عند من كان صحيح الذوق صحيح المعرفة" [7] .
وأرى أن الغرض من حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه وحذف الفعل اتساع في المعنى فإنما أراد اخوة يوسف بقولهم (اسأل القرية واسأل العير) تقديم الدليل لابيهم ببراءتهم مما حصل لاخيهم وعدم خيانتهم له.
فنفهم أن تكلف اظهار المحذوف يشير الى غرض غير الذي تريده النفس يجعل من بنية التركيب النحوي كلامًا غفلًا بعيدًا عن الحسن والمزية [8] ، ومنه قول البحتري:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... ددِ والمجد والمكارم مثلا [9]
"والمعنى (قد طلبنا لك مثلا) ثم حذف لأن ذكره في الثاني يدل عليه ... ولو أنه قال: (طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده) ، لم تر هذا الحسن الذي تراه شيئا" [10] ، وقوله:
(1) كتاب سيبويه: 3/ 93 - 94.
(2) المصدر نفسه: 3/ 94.
(3) لم تثبت نسبته لأحد، ينظر: كتاب سيبويه: 3/ 95، والخصائص: 1/ 73.
(4) المصدران نفسهما.
(5) سورة يوسف، من الآية: 82.
(6) ينظر: كتاب سيبويه: 1/ 212.
(7) دلائل الاعجاز: 289؛ وينظر: ظاهرة الحذف في الدرس اللغوي، الدكتور طاهر سليمان حمودة: 87.
(8) ينظر: دلائل الاعجاز: 162 ومابعدها.
(9) ديوان البحتري: 3/ 1657، وهو في مدح المعتز بالله.
(10) دلائل الاعجاز: 178.