جماعة من الفقهاء منهم الشافعية على المعتمد، وبعض المالكية، وهو مروي عن علي وابن العباس ومعاوية والشعبي [1] إلى أن التحكيم واجب عند حدوث الشقاق بين الزوجين حيث قال الله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما) [2] فالآية صريحة في دلالتها على الوجوب وقد تبنى هذا الرأي القاضي ابن العربي فقال: (إذا علم الإمام من حال الزوجين الشقاق لزمه أن يبعث إليهما حكمين) [3] وقد ذكر القاضي أن المراد بالمخاطب هو ولي الأمر ونائبه المتمثل في القاضي [4] ، حيث لا يجوز له البت في الأمر إلاّ بعد هذا الإجراء، وهو إرسال حكم من أهله، وحكم من أهلها، أو أن المراد أولياء الزوجين إذا كانا محجورين، وأن الحكمين هما بمثابة القاضيين وليسا وكيلين، قال القاضي ابن العربي: (هذا نصّ من الله تعالى من أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه كلّ واحد منهما فلا ينبغي لشاذ ـ فكيف لعالم ـ أن يركب معنى أحدهما على الآخر فذلك تلبيس وافساد للأحكام، وإنما يسيران بإذن الله تعالى ويخلصان النية لوجه الله وينظران فيما عند الزوجين بالتثبيت، فإن رأيا للجمع وجهًا جمعا، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما، ... ) وإن وجداهما قد اختلفا ولم يمكن الجمع بينهما، أو أن الجمع لا ينفع لوجود تجارب أخرى فرّقا بينهما وهذا مروي عن عليّ وابن عباس ومعاوية والشعبي، وهو مذهب مالك دافع عنه القاضي ابن العربي دفاعًا مستميتًا، وقد ذكر عدة أدلة على ذلك [5] .
وقال إذا فرّقا فتكون الفرقة طلقة بائنة، وأن هذه الفرقة لوقوع الخلل في مقصود النكاح من الألفة وحسن العشرة (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) [6] وقد ردّ على من قال: بأن الظلم من أحد الزوجين لا ينافي النكاح، بأن هذا نظر قاصر يتصور في عقود الأموال، فأما عقود الأبدان فلا تتمّ إلاّ بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، وكانت المصلحة في الفرقة، ثم أوضح بأن حكم الحكمين كما أنه ملزم في الجمع، أو الفرقة، ملزم كذلك فيما يخص بقية الحقوق المالية من المنازلة أو أخذ شيء من أحدهما [7] ثم بيّن بأن القاضي لا يقضي بعلمه، ولكن الشرع خصّ هاتين الواقعتين (الشقاق وجزاء الصيد) بحكمين لينفذ حكمهما بعلمهما وترتفع بالتعدد التهمة عنهما [8] .
(1) الأم (5/ 177) ، ونهاية المحتاج (6/ 385) ، وأحكام القرآن (1/ 427)
(2) سورة النساء / الآية (35)
(3) أحكام القرآن (1/ 427)
(4) المصدر السابق نفسه، وتفسير ابن عطية (4/ 48) ، والتفسير الكبير للرازي ط. دار احياء التراث العربي ببيروت (10/ 92) ، وتفسير ابن عباس، ومروياته في الكتب الستة، للدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي ط. جامعة أم القرى (1/ 237)
(5) أحكام القرآن (1/ 421 ـ 424)
(6) سورة البقرة / الآية (229)
(7) أحكام القرآن (1/ 425)
(8) المصدر السابق (1/ 425) ، وتفسير الكبير للرازي (10/ 93)