"دخلَ رجلٌ على أبي ذرٍّ ـ رضي الله عنه ـ فجعلَ يُقلِّبُ بصرَهُ في بيتِهِ ، فقالَ لَهُ: يا أبا ذرٍّ ، ما أرى في بيتِكَ متاعًا ولا غيرَ ذلكَ مِن الأثاثِ ؟! فقال: إنَّ لنا بيتًا نُوجِّهُ إليه صالِحَ متاعِنا ، قال: إنَّهُ لابُدَّ لكَ مِن متاعٍ ما دُمتَ ها هُنا ، فقال: إنَّ صاحِبَ المنزِلِ لا يَدَعُنا فيهِ" (1)
وهذا ـ وربي ! ـ من تُحفِ السلف ، يمرُّ أحدهم على الفاكهة لا يستطيع أن يشتريها ، فلا يتندم أو يتبرَّم ، وإنما يبتسم ـ ابتسامة الرضا والأمل ـ ويقول لها: موعدنا غدًا ـ إن شاء الله ـ في الدار الآخرة !
ويتعدَّى عليه من يظلمه أو يخذله ، فيقول له ـ في سكينة وهدوء:
إلى ديَّان يوم الدين نمضي وعند الله يجتمع الخصومُ !
ويُمنع مما يبتغي ، ويُحرم مما يشتهي ، فلا يحزن أو يشقى ، وإنما يقول في تسليمٍ ورضى: ما عند الله خيرٌ وأبقى !
فمن كان قلبه معلَّقٌ بالسماء ، هل يحفل بما يحصل على الغبراء ؟!
"تزوجت معاذة العابدة بصلة بن أشيم ، فأدخله ابن أخيه الحمَّام ، ثمَّ أدخله بيتًا مطيَّبًا ، فقام يصلي ، فقامت فصلَّت . فلم يزالا يصليان حتى برق الفجر ."
قال ابن أخيه: فأتيته ، فقلت:أي عَمِّ تزوجت الليلة ، فقمتَ تصلي وتركتها ؟!
فقال: إنك أدخلتني أمس بيتًا أذكرتني به النار ، ثم أدخلتني بيتًا أذكرتني به الجنَّة ، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت ." (2) "
لا تزد الطين بلة
العلم بأنَّ الدنيا ـ وإن طالت ـ فهي قصيرة ، والعمر فيها محدود ، والزمن معدود ، فلماذا نقصِّرُها بالهمِّ والأحزان ، ونملؤها بالغمِّ والحرمان ؟!
سئل علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ عن الدنيا ، فقال: تَغُرُّ ، وتَضُرُّ ، وتمُرُّ . (3)
هذي الحياةُ ، فهل بدا لشقائها يا صاحِ آخر؟
(1) المجالسة وجواهر العلم ـ أبي بكر أحمد الدينوري ( 2/ 646) .
(2) صفة الصفوة ـ ابن الجوزي (3/145)
(3) أدب الدنيا والدين ـ الماوردي ـ ص 252