"نظر عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ إلى رجلٍ عنده متغير اللون ، فقال له: ما الذي أرى بك ؟! وألحَّ عليه بالسؤال ، فقال: إذا أبيت إلا أن أخبرك ، فإني ذقت حلاوة الدنيا ، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها ، واستوى عندي حجارتها وذهبها ، ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار ، فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت له نهاري ، كلُّ ذلك صغير حقير في جنب عفو الله وثواب الله عزَّ وجلَّ وجنب عقابه" (1)
إنما الدنيا وإن سرَّت قليلٌ من قليل
إنَّما العيش جوار الله في ظلٍّ ظليل
حين لا تسمع ما يؤذيك مِن قالٍ وقيل
دوام الحال من المحال:
العلم بأنَّ الدنيا لا تبقى على حال ، ولا تستقرُّ على وضع ، ولا تثبت على أمر ، بل هي قُلَّب ، تُداول الأحوال على أهلها ، فما الحزن فيها بخالد ، كما أنَّ الفرح ليس بخالد .
هي الأيام كما شاهدتها دولٌ من سرَّه زمن ساءته أزمان
فهذه الأيام مطايا ، يرتحلها العبد ، لتحُطَّ رحالها على عتبة الموت ، مرَّة على مطيَّةُ الخير ، وأخرى على مطيَّة الشرّ ، مرَّةً بما يسرُّ الراكب وأخرى بما يضرُّه ، مرَّة بما يأمله ، ومرَّة بما يؤلمه .
قال تعالى: { ونبلوكم بالشرِّ والخير فتنة وإلينا ترجعون } (2)
ما يكون الأمرُ سهلًا كلُّه إنما الدنيا سرورٌ وحزُون
هوِّنِ الأمرَ تعش في راحةٍ قَلَّ ما هوَّنتَ إلاَّ سيهون
تطلب الراحة في دار العَنا ضَلَّ من يطلبُ شيئًا لا يكونُ
قالب هنا ، وقلب هناك:
العيش في الدنيا بمنظار الآخرة ، فمن كان فيها سعيدًا فليتعلَّق قلبه بالسعادة التي لا تنقضي والهناء الذي لا ينتهي يوم يدخل الجِنان في دار الأمان .
ومن كان في شقاءٍ وبؤس ، فليتذكر شقاء أهل النَّار ، وما هم فيه من كربات وحسرات ..
وبهذا يعيش العبد مع النَّاس بجسده وقالبه ، يخالطهم ويعاملهم ، أمَّا قلبه وعقله ، فهو متصلٌ بالدار الآخرة .
(1) التخويف من النار ـ ابن رجب الحنبلي ـ ص45
(2) الأنبياء: 35