ثم واعده أن يأتيه ليلًا مع نفر يحملون معه التمر ..
فلما كان الليل أقبل أبو نائلة مع محمدِ بنِ مسلمة .. ورجلين ..
حتى انتهوا إلى حصنه .. فهتف به أبو نائلة .. يا أبا سعيد ..
فأجابه كعب .. ثم قفز من سريره لينزل إليه ..
فتعلقت به امرأته وقالت: أنت امرؤ محارَب .. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة .. قال: إنه أخي أبو نائلة ..
فقالت: إني أسمع صوتًا يقطر منه الدم ..
قال: إن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب .. ثم أقبل عليهم ..
فقال محمد بن مسلمة لأصحابه ..
إذا ما جاء فإني قابض بشعره لأشمه .. ثم أشِمُّكم .. ثم أشمه أخرى .. فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ..
فلما وصل إليهم .. فإذا هو ينفح من ريح الطيب ..
فقال محمد بن مسلمة: ما رأيت كاليوم ريحًا ..
فقال كعب: عندي أعطرُ نساء العرب .. وأكملُ العرب ..
قال محمد: أتأذن لي أن أشم رأسك؟
قال: نعم .. فشمَّه .. ثم قال: تأذن لأصحابي أن يشموا .. ؟
قال: نعم ..
ثم مشى معهم قليلًا يتحدثون .. ثم قال محمد بن مسلمة: تأذن لي أن أشم أخرى؟
قال: نعم .. فأدخل كلتا يديه في شعره .. وجرَّ رأسه إليه كأنه يشم .. فلما تمكن منه ..
صاح بأصحابه: اضربوا عدو الله!
فتسابقت إلى رقبته سيوفهم .. ومع شدة الظلام .. وتعدد السيوف .. وكثرة اضطرابه .. مزقوا رقبته ولم يصيبوا منه مقتلًا .. وجعل يخور ويصيح ..
قال محمد بن مسلمة: ثم صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار .. فذكرت رمحًا معي فأخذته .. فوضعته عند سرته .. ثم اتكأت عليه حتى بلغت عانته .. فوقع عدو الله ميتًا .. فرجعنا حتى وصلنا المدينة .. فأقبلنا إلى رسول الله فبشرناه ..
فقال: أفلحت الوجوه .. قلنا: ووجهُك يا رسول الله أفلح ..
فلله در أولئك من أبطال .. تتفجر الشجاعة من عروقهم .. والإيمان من قلوبهم ..
ألا فليعلم الجبناء الذين يتكاسلون عن نصرة الدين .. أو يشكّون إذا رأوا تسلّط الكافرين ..
وليعلم الخورةُ والضعفاءُ .. الذين يضطربون إذا رأوا سلاح المشركين .. أو سمعوا عن جيش الملحدين ..
ليعلمْ هؤلاء وأولئك .. أن القوة ليست دائمًا بدبابات وطائرات .. ولا مدافع وغواصات ..
وإنما العقل قوة .. والإيمان قوة .. والحيلة قوة .. بل والله يمد بقوة .. فالملائكة الأشداء .. والصخور الصماء .. والرياح العاتية .. والأمراض القاضية .. والكيد بالكافرين .. بإرعاب قلوبهم .. واختلاف كلمتهم .. وإبطال مكرهم ..
كلها قوى تسقط الطائرات .. وتغرق السفن والغواصات ..
وما يعلم جنود ربك إلا هو ..
يقف موسى عليه السلام .. أمام البحر .. فيضربه بعصاه .. فإذا بالبحر ينقلب جنديًا من جنود الله .. فينشق يبسًا للمؤمنين ويغرق الكافرين ..