وكلما كثر الغلط من الراوي، كان ذلك دليلًا على سوء حفظه؛ إذ لا يقع الراوي في الخطأ الكثير المتكرر إلا إذا كان رديء الحفظ، وبالتالي تكثر منه المخالفة للحفاظ ويقع في الكذب من غير تعمد منه، والخبر يرجح بضبط راويه وحفظه وقلة غلطه لأن الظن يقوى بذلك. قال عبد الرحمن بن مهدي: «إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ» (1) .
وقد اتفق العلماء على أن من غلط في رواية حديث وبُيّن له غلطه فلم يرجع عنه وأصر على رواية ذلك الحديث سقطت رواياته، ولم يُكتب عنه، وإن هو رجع قُبل منه، وجازت روايته، ولكن لا يكفيه في الرجوع أن يُمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل فحسب، بل يجب عليه أن يُظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه، وقد قام بالرجوع عنه (2) .
والمصرّ على الغلط عنادًا كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل، وإن كان إصراره عن جهل فأولى بالسقوط؛ لأنه ضمّ إلى جهله إنكار الحق (3) .
ــــــــــــــــــ
(1) - الكفاية: (ص: 435) .
(2) ـ انظر: الكفاية (ص: 145) ، وعلوم الحديث (ص: 120) . وقيّد ابن الصلاح ردّ رواية من بُيّن له الغلط ولم يرجع عنه بقوله: (( وهو غير مستنكَر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد، أو نحو ذلك والله أعلم ) ).
(3) ـ النكت على مقدمة ابن الصلاح، بدر الدين محمد بن جمال الزركشي، ت: زين العابدين بلافريج، مكتبة أضواء السلف، الرياض، ط1/ 1998م. (3/ 426) ، وتوضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، محمد بن إسماعيل الصنعاني، ت: محيي الدين عبد الحميد، المكتبة السلفية، المدينة المنورة (2/ 258) .