وكثرة أخطاء الراوي وقلتها تتفاوت بقدر إكثار الراوي من الحديث وإقلاله، فمن ندر خطؤه، أو قلّ في جنب الكثرة التي رواها، فهذا لا يضره، ولا يؤثر على مروياته الأخرى. قال الخطيب البغدادي: «كان أبو داود يحدث من حفظه، والحفظ خوّان، فكان يغلط مع أن غلطه يسير في جنب ما روى على الصحة والسلامة» (1) .
وقال الذهبي (2) : «فمن يروي مائة ألف حديث، ويندر المنكر في سعة ما روى، فإليه المنتهى من الإتقان» (3) . وقد عقد الخطيب رحمه الله بابًا: فيمن رجع عن حديث غلط فيه وكان الغالب على حديثه الصحة أن ذلك لا يضره (4) .
قلت: ذكر في هذا الباب جماعة من الأئمة الثقات، المعروفين بالحفظ والإتقان، غلطوا في أشياء حدثوا بها، ثم رجعوا عنها إلى الصواب عندما بُيّن لهم ذلك، وهذا دأب المنصف الذي يبتغي بعمله وجه الله، لا الشهرة والجاه (5) .
ــــــــــــــــــ
(1) - تاريخ بغداد (9/ 26) .
(2) - محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبدالله، الحافظ، محدث العصر، المؤرخ ولد سنة (673هـ) ، طلب الحديث، وسمع وعني ورحل، إلى أن رسخت فيه قدمه، وصنف التصانيف الكثيرة، منها سير أعلام النبلاء وتذكرة الحفاظ، توفي سنة (748هـ) . انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر العسقلاني، تح: محمد سيد جاد الحق، مطبعة أم القرى، القاهرة. (3/ 426ـ427) .
(3) - سير أعلام النبلاء (9/ 228) .
(4) - الكفاية في علم الرواية (ص: 144ـ147) .
(5) - من هؤلاء: يزيد بن هارون. قال موسى بن هارون: سمعت أبى يقول: كان يزيد بن هارون يقول في مجلسه الأعظم غير مرة: حديث كذا وكذا أخطأت فيه. ومنهم: سفيان بن عيينة. قال العلاء بن الحسين: ثنا سفيان بن عيينة حديثًا في القرآن، فقال له عبدالله بن يزيد: ليس هو كما حدثت يا أبا محمد. قال: وما علمك يا قصير. قال: فسكت عنه هنية ثم قام إلى سفيان فقال: يا أبا محمد أنت معلمنا وسيدنا فإن كنتُ أوهمتُ فلا تؤاخذني. قال: فسكت سفيان هنية، ثم قال: يا أبا عبد الرحمن: قال: لبيك وسعديك. قال: الحديث كما حدثتَ أنتَ، وأنا أوهمت. الكفاية (ص: 146) .