المطلب الثالث: ارتقاء حديث سيء الحفظ إلى درجة القبول
إذا عرفنا بأن حديث سيء الحفظ ضعيف متوقف فيه؛ لاستواء طرفي القبول والرد فلا ننسى بأنه قابل للانجبار، والارتفاع إلى درجة القبول، وذلك بوجود عاضد له فوقه، أو مثله، بلفظه أو معناه، فيصير من قبيل الحسن لغيره (1) .
والحديث الحسن قسمان: حسن لذاته، وحسن لغيره. وقد فصّل الشيخ ابن الصلاح كلا القسمين تفصيلًا دقيقًا، فقال عن الحسن لغيره: «الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفّلًا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، ... ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِف بأن رُوي مثله، أو نحوه من وجه آخر، أو أكثر حتى اعتضد ... وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل» (2) .
«فالضعيف الذي ضعفه من جهة قلة حفظ راويه ... إذا روي مثله بسند آخر ارتقى إلى درجة الحسن؛ لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حفظ الراوي، ويعتضد كل منهما بالآخر» (3) .
وقال الشيخ رضيّ الدين الحلبي: «وأما الحسن لغيره: فهو الواحد الذي يرويه من يكون سيء الحفظ ولو مختلطًا لم يتميز ما حدث به قبل الاختلاط، أو يكون مستورًا، أو مرسلًا لحديثه، أو مدلسًا في روايته من غير معرفة المحذوف فيهما فيتابع أيًا كان منهم من هو مثله، أو فوقه ... » (4) .
ــــــــــــــــــــ
(1) ـ انظر: الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به، عبد الكريم الخضير، مكتبة دار المنهاج، الرياض ط1/ 1425هـ. (ص: 240) ، وانظر: قواعد في أصول الحديث، أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي بيروت، ط: 1984م. (ص: 121) ، ونظرية نقد الرجال (ص: 333) .
(2) ـ علوم الحديث (ص: 31) . وقد سبق القول بأن كتاب الإمام الترمذي ـ رحمه الله ـ أصل أصيل في معرفة الحسن. وانظر: الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين (ص: 158) .
(3) ـ انظر: فتح المغيث (1/ 150) . فتعدد الطرق، مع انجبار الضعف يجعل الحديث حسنًا لغيره. مقدمة في أصول الحديث (ص: 59) .
(4) ـ قفو الأثر في صفوة علوم الأثر، رضي الدين محمد بن إبراهيم الحلبي، تح: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2/ 1408هـ. (1/ 50) .