لبيان هذه المسألة نأخذ مثالًا على ذلك، حديث: (( من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء ) ). وقد تعددت رواياته وطرقه، واختلفت أقوال الأئمة فيه (1) .
ــــــــــــــــــــ
(1) ـ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة، وعن أبي الدرداء، في فضل العلم وشرف مقداره، رقم (1725) ، (2/ 270) . كما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن مسعود بلفظ: (( من حفظ ... ينفعهم الله عز وجل بها قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت ) ). (4/ 189) .
وأخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عباس (1/ 330) ، والدارقطني في العلل عن معاذ بن جبل (6/ 33) ، وقال عن طرقه:"وكلها ضعاف ولا يثبت منها شيء". وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/ 93 ـ 94) :"وروي من رواية ثلاثة عشر من الصحابة أخرجها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وبين ضعفها كلها، وأفرد ابن المنذر الكلام عليه في جزء مفرد، وقد لخصت القول فيه في المجلس السادس عشر من الإملاء، ثم جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة". وقال عبد القادر الرهاوي:"إن الأحاديث الضعاف إن انضم بعضها إلى بعض، مع كثرة تعاضد، وتتابع أحدثت قوة، وصارت كالاشتهار، والاستفاضة اللذين يحصل بهما العلم في بعض الأمور". البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر، عبد الرحمن السيوطي، ت: أنيس الأندونوسي، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، ط1/ 1999م. (3/ 1027) .
قال الحافظ ابن حجر:"لكن تلك القوة لا تخرج هذا الحديث عن مرتبة الضعيف ...". الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص: 70) . وقال أبو طاهر السِّلفي:"إنه روي من طرق، وتقوى بها وركنوا إليها، وعرفوا صحتها، وعوّلوا عليها". الأربعين البلدانية، أحمد بن محمد السِّلفي، ت: عبدالله رابح، دار البيروتي، دمشق، ط1/ 1992م. (ص: 28) .
قال الحافظ السخاوي:"وقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه، ولكن بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار بحيث لا يُجبر بعضها ببعض يرتقي عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل". فتح المغيث (1/ 73) . قلت: وهذا ما جرى العمل عليه، وما تميل النفس إليه، بشرط أن لا يكون فيه كذاب، أو متهم.
يقول أستاذنا الدكتور عماد الدين:"فكثرة الطرق التي لا يجبر بعضها ببعض ترتقي بالضعيف التالف الذي لا يُعمل به اتفاقاٌ إلى رتبة الضعيف الذي يجيز الجمهور من أهل العلم العمل به في فضائل الأعمال". انظر: نظرية نقد الرجال (ص: 338) . والخلاصة: على القول بأنه ضعيف ـ مع تعدد طرقه ـ فإن الجمهور على أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال. محمد رسول الله، الشيخ عبد الله سراج الدين، دار الفلاح، حلب، ط7/ 1990م، (ص: 66) . وانظر: شرح المنظومة البيقونية، الشيخ عبد الله سراج الدين، دار الفلاح، حلب، (ص61ـ62) .