فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 324

قلت: والمتأمل في كلام الشيخ ابن الصلاح يجد أنه قد أشار في ثنايا كلامه عن النكارة والشذوذ إلى معنى دقيق عندما جعل النكارة نتيجة من نتائج الشذوذ وأثرًا من آثاره؛ بمعنى أن الراوي إذا شذّ في حديث ما كان ذلك موجبًا للحكم بالنكارة. قال: « ... لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم» (1) .

ويبقى السؤال قائمًا: ما هو مستند الحافظ ابن حجر في تفصيله السابق، الذي فرّق فيه بين المنكر والشاذ، وحكم بتغفيل من سوى بينهما (2) ، علمًا بأنه قد جاءت أقوال وأمثلة كثيرة دالة على التسوية بينهما؟.

ـــــــــــــــــــ

(1) ـ علوم الحديث (ص: 79) . وقد كان بعض المتقدمين يطلقون النكارة والشذوذ على ما تفرّد به الثقات، ولو لم تكن هناك مخالفة. قال ابن الصلاح: وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث. علوم الحديث (ص: 80) .

وقال الإمام أحمد في أفلح بن حُمَيْد: روى أفلح حديثين منكرين ... ، وأفلح ثقة كثير الحديث. تهذيب التهذيب (1/ 320) .

يقول أستاذنا الدكتور نور الدين: فقد كان هذا اصطلاحًا ـ أي إطلاق المنكر على ما تفرد به الثقة ولو كان صحيحًا ـ درج عليه كثير من المتقدمين، وليس حكمًا بردّ ما قالوا فيه منكر ... ثم استقر الاصطلاح عند المتأخرين على إطلاق المنكر على الحديث الذي رواه الضعيف مخالفًا لمن هو أولى منه. شرح علل الترمذي تعليقًا (1/ 456 ـ 457) .

والخلاصة: أن تفرد الثقات ليس بعلة، ولا يحكم على تفردهم بالنكارة أو الشذوذ إلا عند بعض الأئمة: كالإمام أحمد وغيره، أما الإمام البخاري ومسلم والأكثرون فإنهم لا يعدونه منكرًا وعلى هذا استقر الأمر. قال الإمام مسلم: وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها. صحيح مسلم (1/ 4) . يقول الإمام النووي:"فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطًا متقنًا". شرح النووي على صحيح مسلم (1/ 57) . وللتوسع في هذا الموضوع ينظر: شرح علل الترمذي (1/ 448ـ 462) .

(2) ـ لعلّه الاستقراء والتتبع من قبل الحافظ ابن حجر رحمه الله، ولكن !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت