وقد تابع الحافظَ ابن حجر على قوله مَن جاء بعده من علماء الحديث، ونقلوا كلامه في مصنفاتهم، وبقيت هذه الغفلة ملازمة للشيخ ابن الصلاح منذ ذلك الوقت وإلى الآن.
وبالتحقيق والتدقيق في كلام الأئمة المتقدمين نجد أن الشيخ ابن الصلاح لم يغفل بل قد عَقَلَ ـ وما غفل ـ عندما جعل الشاذ بمعنى المنكر، ولم يأت ببِدْعٍ من القول وإنما هو شيءٌ سُبق إليه، والأئمة المتقدمون على عدم التفريق بينهما وقد جاء هذا صريحًا في كلامهم، ومأخوذًا من صنيعهم.
ومن أوائل من بيّن هذا: صالح بن محمد الحافظ (صالح جَزَرَة) عندما سئل عن الشاذّ فقال: «الشاذّ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف» (1) .
ويقول ابن قطلوبغا ردًّا على كلام الحافظ ابن حجر: «قلت: قد أطلقوا في غير موضع النكارة على رواية الثقة مخالفًا لغيره ... » (2) .
وفي حديث همام بن يحيى (3) عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ) ). قال أبو داوود: «هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه ) )، والوهم فيه من همّام ولم يروه إلا همّام» (4) .
ــــــــــــــــــــــ
(1) ـ الكفاية في علم الرواية (1/ 141) .
(2) ـ القول المبتكر على شرح نخبة الفكر، (ص: 12) .
(3) ـ العَوْذِي، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصري، ثقة ربما وهم. من السابعة. مات سنة أربع أو خمس وستين. ع. التقريب (ص: 574) .
(4) ـ سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب: الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء، رقم (19) ، (1/ 52) ، والترمذي في اللباس، باب: ما جاء في لبس الخاتم في اليمين، رقم (1746) (4/ 229) . وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، والنسائي في الزينة، باب: نزع الخاتم عند دخول الخلاء، رقم (5213) ، (8/ 178) ، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب: ذكر الله عزّ وجلّ على الخلاء والخاتم في الخلاء، رقم (303) ، (1/ 110) .