سببه ما كان يصدع به الأنبياء والمرسلون من حق، ويكشفونه من ظلم وباطل، كما بَيَّنَ الله تعالى في كتابه الكريم؛ فلا ينبغي للمسلم أن يُقَلِّلَ من شأن البيان، وأن يعتبره وسيلة غير ذات بال، فإن تأثيره في النفوس، ودوره في التمييز بين الصفوف، وعمله في إيضاح الحق وكشف الباطل، لا يخفى إلا على من خفيت عليه سنن التغيير، وتاه عن سبيل الأنبياء والمرسلين.
ثالثًا: جَلْبُ الأنصارِ للدين، سواء أكان هؤلاء الأنصار من أهل الإيمان، أو ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) [1] ، فإذا كان البيان صادقًا وقويًا وناهضًا بأسباب التأثير والإقناع، نفع في جلب الأنصار الذين يستظهر بهم أهل الإيمان على أعداء التوحيد والإسلام، ومن نظر في سير الأنبياء، وعلم أنهم جميعًا كانوا يُتَّهَمُونَ بالسحر، تبين له مقدار تأثير بيانهم في جلب الناس إلى صَفِّهِمْ، ومقدار تفريط أهل الإسلام اليوم في عدم الرقي بخطابهم، وعدم استغلال الوسائل والأحداث، وعدم التزام دقيق الضوابط الشرعية ورفيع التوجيهات الربانية، في دعوة الأعداء والخصوم إلى الإسلام، حتى يُستخلص من بينهم من يدخل في دين الله تعالى وينصر شريعته، أو يُعين أهل الحق وينافح عنهم، كما كان بعض المشركين يحامي عن النبي صلى الله عليه وسلم أو يَتَحَالَفُ معه.
فإن سيادة الإسلام وعزة أمته ليس رحمة لأهل الإسلام خاصة، بل هو رحمة للعالمين عامة، فإن الحياة تحت راية الإسلام وفي حكم شريعة الرحمن، لا تعادلها في الخير حياة، ولا يبلغ إلى ما فيها من العدل منهاج، سواء بالنسبة للمسلمين، أو غيرهم من أهل الملل، كما يشهد بذلك العقل الصريح، والتجربة خلال التاريخ، فشتان بين شرع من خلق ويعلم ما خلق وهو اللطيف الخبير، وبين أحكام من علمه قليل، وجهله كثير، وعقله لا يُمكنه من تدبير حياته الخاصة بشكل سالم من الأخطاء والميل مع الأهواء؛ وكيف يعقل أن يسوى بين شرع الله الحكيم العدل العليم، وبين ما وضعه من هو مطبوع على الجهل والظلم والميل والحيف بيقين.
ولهذا جعل الله تعالى اتباع شرعه دليلا على ارتضاء أسمى حياة, و الإنصياع لمُقتضى العقل الصريح, كما في قوله تعالى: (و لكم في القصاص حياة يا اُولي الألباب لعلكم تتقون) .
(1) رواه البخاري برقم (3062) ، ومسلم برقم (111) .