الصفحة 23 من 25

دلائل الحق، وبينات الهُدَى، ما هو قاض بإقامة الحجة على الخلق أجمعين، فإذا واجه أهل الإيمان أهل الضلال والكفر والطغيان بما في كتاب الله تعالى من هدى وبينات، فإن صوت الحق سيعلو، وصوت الباطل سينحصر أو يخبو، ولكن كثيرًا من دعاة الإسلام في هذا الزمان، لم يقوموا بواجب إقامة الحجة على الناس، بل شُغِفُوا بالمداهنة، وكتمان بعض الحق، وتأويل النصوص بما يناسب أهواء أهل العصر، حِرْصًا منهم على الدنيا، أو خوفًا من الابتلاء، أو غير ذلك من أسباب الالتواء. وقد نَبَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم على أن بيان الحق من أجل إقامة الحجة، من أعظم القربات إلى الله تعالى، حتى ولو كان فيه إتلاف النفس والتعرض لما يظنه بعض المتفيهقين هلاكا، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا حديثًا طويلًا عن الدَّجَّالِ، فكان فيما حدثنا قال: (يَاتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ، أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ) [1] .

فهذا رجل في مأمن من فتنة الدجال، ولكن أبى عليه علمه وخوفه من الله تعالى، إلا أن يخرج ذاك الطاغي الجبار، فيواجهه بكلمة الحق، حتى يُظْهِرَ للناس باطله، ويكشف ضلاله، ويفضح تلبيسه، {لِيَهْلَكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة} .

فأين هذا من مشايخ السُّوء في هذا الزمان، وفرسان الفضائيات، الذين لم يمنعهم الحياء من الله تعالى من أن يسكتوا، ولو فعلوا لأراحوا واستراحوا! بل شاركوا بألسنتهم في الفتنة التي يرزح تحت نيرها المسلمون، تارة بالتصريحات التي تُظْهِرُ العَلْمَانيين في صورة المصلحين، وتارة بالفتاوى التي تجيز المشاركة في قتل المسلمين، وتارة بالآراء التي تبيح تسلط الكفار على بلاد المسلمين، وتارة بالمواقف التي تُخَذِّلُ عن أنصار الحق والدين، وتارة بالتأويلات التي تُحَرِّضُ أعداء الدين والظالمين على المستضعفين من الدعاة والعلماء والصالحين، فيفعلون في المسلمين بألسنتهم ما لا يفعله الأعداء فيهم.

ثانيًا: النكاية بأعداء الدين، فإن الحملة المسعورة على العلماء والدعاة الناطقين بالحق في هذا الزمان، تنبئ كل ذي عينين بمقدار ما تفعله كلمة الحق في نفوس أهل الظلم والطغيان، ولا غَرْوَ في ذلك، فقد كان العداء المستميت الذي يواجه به الأقوامُ أنبياءَهُمْ، إنما

(1) رواه البخاري برقم (6713) ومسلم برقم (8392) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت