وليُعْلَم، أن من أعظم أبواب الصبر في هذا الزمان، تريث أهل الحق وعدم الاستعجال، فإن ما فسد في عقود وقرون، لا يمكن أن يُصْلَحَ في أيام أو شهور، ولهذا فقد قال أئمتنا: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) ، فلا ينبغي الاستعجال في التغيير، ولا ينبغي التسرع في التدبير، بل ينبغي أن يُقَدَّرَ لِكُلِّ حَالٍ ما يُنَاسِبُهَا، وأن يسترشد في ذلك بفتاوى أهل العلم الربانيين، وطلبة العلم الصَّادقين، الذين لهم علم بكتاب الله وسنة رسوله، ويلتزمون بمنهج السلف، ويهتدون بهدي أئمة السنة، ويفهمون واقع الأمة، ويفقهون دلائل المنقول والمعقول، ويقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يركنون إلى ظالم، ولا يُخَذِّلُونَ عن أنصار الحق، فهؤلاء الذين ينبغي الثقة بهم، والتقيد بكلامهم، والحرص على الارتباط بهم، وهم ولله الحمد ظاهرون على قلتهم، متميزون رغم التعتيم والاضطهاد.
الأمر الثاني، البيان الصادق، فإن من أعظم أسباب نصرة الدين، وأهم وسائل المدافعة والجهاد، البيان الصَّادق لهذا الدين، فقد أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان برقم (71) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) .
وقد أرسل الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام إلى فرعون وَمَلَئِهِ، ولم يبعث معه جيوشًا ولا عتادا، ومع ذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِين} ، وإنما كان معه ما تقوم به الحجة والبيان على صحة ما أُرْسِلَ بِهِ، وبطلان ما عليه خصومه، فإن السُّلْطَان في كتاب الله تعالى"نوعان: سلطان الحجة والعلم، وهو أكثر ما سمي في القرآن سلطانًا، حتى روى ابن عباس أن كل سلطان في القرآن فهو سلطان الحجة، والثاني: سلطان القدرة، والعمل الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين" [1] .
ولا يكون البيان مستوفيًا لشرائط الحق وقاضيًا بمدافعة الباطل ما لم يكن ناهضًا بما يلي:
أولا: إقامة الحجة على الخلق، فإن الله تعالى خَاطَبَ نبيه وهو مستضعف في مكة بقوله: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرا} ، أَيْ بالقرآن الكريم، فقد جعل الله تعالى في كتابه من
(1) مجموع الفتاوى (2919) .