فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 96

لقد كانوا يُعظِّمون هذا المنصب، ويرون أنْ لا يعتلي الكرسي إلا من أمضى دهورًا في الدرس والبحث والتنقيب في حِلَق العلم ومعاهده، ومدونات الفقه وكراريسه، حتى تختلط هذه بلحمه ودمه، حتى إنهم كانوا يقولون:"التاجرُ مَجْدُهُ في كيسِه، والعالِم مَجْدُهُ في كرارِيسه"، ويتفاضل الناسُ عندهم بقدر تفاضلهم في هذه المنزلة، كما قيل: (خير هذا الحيوان الأناسيّ، وخير الأناسيّ الكراسيّ) . [1]

وإذا كان كرسي الإفتاء بهذه المثابة من الفضل وسمو الرتبة، فإن له كذلك من الذِّمام والتبعات ما ينبغي للمتسنمين له أن يستحضروها عند كل جولة من جولات الإفتاء، وكل حلقةٍ تلفازية يعقدونها لأجل ذلك، بل عند كل سؤالٍ يتصدَّون للجواب عنه.

كيف وهؤلاء هم وُرَّاث النبوة، وفي صحيح مسلم من حديث أبي رفاعة - رضي الله عنه - أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترك خطبته، حتى انتهى إليَّ، فأتي بكرسي حسبتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها. [2]

إنَّه ليس المقصود بكرسي الإفتاء"هنا": ذلك المقعد الذي يمتطيه المفتي حين يمارس دوره في إفتاء الناس؛ وإنما المقصود هذه الوظيفة ذاتها، بكل ما تحمله من مسؤوليات تقتضي الالتزام بالأخلاق اللائقة بهذا المنصب السامق.

(1) أساس البلاغة - (404)

(2) أخرجه مسلم في"صحيحه"كِتَابٌ: الْجُمُعَةُ. بَابٌ: حَدِيثُ التَّعْلِيمِ فِي الْخُطْبَةِ. رقم 876 - 1 والنسائي في"السنن الكبرى"

كِتَابٌ: الزِّينَةُ اتِّخَاذُ الْكَرَاسِيِّ رقم 9740 والنسائي في"المجتبى"كِتَابٌ: الزِّينَةُ الْجُلُوسُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ رقم 5377

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت