فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 96

الإفتاء منصب ؛ لكنه تكليفي لا تشريفي ، ولذا كان متقلده هيَّابًا مهيبًا ، أما أنه هيَّاب فلأنه يوقِّع عن رب العالمين ، ويدخل بين الله وعباده . وأما كونه مهيبًا فلأن العلم سلطان يقهر النفوس ، ويدعوها إلى مهابة حامل العلم الشرعي ، فلما كان من أخشى الناس لله ؛ كان أن جعل الله في قلوب الخلق له خشية ، كما قال - سبحانه -: [إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] . ولذا من المناسب أن أذكر أنها أجمعت السير والتراجم على أن إمام دار الهجرة ؛ الإمام مالك - رحمه الله تعالى - أنه أوتي مهابة في القلوب ، حتى قال فيه القائل:

يأبى الجواب فما يراجَع هيبة ... والسائلون نَوَاكِس الأذقان

أدب الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان [1]

إن لكل منصبٍ تبعاته التي يستمدها من طبيعة العمل الذي يتعاطاه القائم به، ثم تعظم التبعة بقدر عظمة ذلك المنصب . إذا تقرر هذا؛ فما الظن بمنصبٍ ينطق فيه القائل باسم الله تعالى، ويترجم فيه عن الحق سبحانه، ويقوم فيه مقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمته، وما الظن بقلمٍ هو أعلى الأقلام، ولسانٍ هو أشرف الألسنة، الظنُّ أنْ لا منصب يسمو فوق هذا المنصب، حاشا منصب النبوة.

وإن لأهل العلم،"المستبحرين"في فقه الشريعة، ووارثي علوم الأنبياء، الماضين على سبيل"الجهاد"العلمي؛ من هذا الشرف الباذخ والمقام الشامخ؛ بقدر استبحارِهم فيه، وبمقدار نصرتهم لهذا الدين، فهؤلاء بالكتب، وأولئك بالكتائب.

ولقد كانت كراسي الدرس والفتيا من الأمرِ الأول، و ( كان يقال للعلماء قديمًا: الكراسي بما كانوا يعلِّمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، وَ"لأنهم المعتمَد عليهم ) [2] ."

(1) ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 50)

(2) تفسير القرطبي - (3 / 276) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت