وهي في كتاب اللّه يملؤها مضمون آخر هو الخوف وذهاب النفس من الفزع. قال تعالى يذكر ذل الكفار يوم القيامة وقد طارت قلوبهم هولًا {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ} (1) . ولها نوع اتصال بعناصر من صورة أخرى من كلام اللّه {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (2) . كما تلاقي قول العرب:"طارت نفسه شعاعًا"بعنصر ضمني هو الفضاء، وذلك إذا تفرقت هِمَمهُا ورأْيُها ولم تتجه لأمر (3) في الخوف المسيطر، قال قطري بن الفجاعة:
أقول لها وقد طارت شعاعًا ... من الأبطال ويحك لن تراعي (4)
واختلاف المضمون لا يمنع قرابة الصور واشتقاق بعض من وحي بعض.
ولكن التعبير الواقعي والمجازي - الخيالي - في هذه القصيدة صنوان في التقنية الفنية ووظيفة الأداء، وبذلك نجد الخيالي تتمة طبيعية لما هو حقيقي، فهو في الموضع الأمكن من البناء الفني، غير أنه لا يُشكّل إبداعًا مميزًا إلا ندورًا، وذلك للاعتداد بالمادة التقليدية وبالجهد الفكري في إخراج الصور الخيالية، على أن التحكم الفكري الواعي في نَوْعيّ الأداء الواقعي والخيالي جعل في الواقعي شاعرية وجاذبية لا تقل عن الخيالي لما امتاز به الشاعر من تدقيق في تحديد الأوضاع والصفات الحقيقية كما قال في صفة الناقة:
27 -بسبوح اليدين عاملة الرجـ ... ل مروح تغلو من الغلواء
وفي الفتى الوصيف:
40 -وحباني به أغر طويل إلى الـ ... باع صَلْتَ الخدين غضَّ الفَتاء
(1) سورة إبراهيم الآية (43) . ومعنى هواء في الآية. أفئدتهم ذات فراغ مجوفة، يملها الهواء لا الحكمة ولا الخير.
(2) سورة الحج الآية (31) .
(3) الصحاح (شعع) .
(4) ديوان الخوارج: ص 122 جمع وتحقيق إحسان عباس. دار الشروق بيروت.