والثاني يخطط للصورة ويهيئ عناصرهما ثم يخرجها على نسق ونظام ومقارنات محكومة بالفكر. وصور بشار الخيالية من هذا المورد، وثمة صورة في القصيدة جاءت كرتين في المقدمة وبصياغة واحدة وألفاظ مترادفة، وليست من الصور المجنحة إبداعًا، إنها من النوع القريب يعبر بها عن الإحساس بالخفة أو فقدان الثقالة والوزن قال:
7 -واستخف الفؤاد شوقًا إلى قر ... بك حتى كأنني في الهواء
15 -أنت باعدته فأمسى من الشو ... ق صريعا كأنه في الفضاء
وأحسب الصورة بمضمونها هذا مما كان يدور على ألسن العامة من الصور العفوية فنقلها هو إلى الشعر كأنما قد استحدثها، وأظنها ذات صلة وثيقة بذاته، أو بإحدى عقده النفسية إذ كان ضخمًا طوالا مُثقَّلا، ومن يدري لعله كان يضيق بالسمن المفرط صدرًا
ويشتهي النحول والرشاقة لما فيهما من القبول، وبعض غزله ينم عن هذه الرغبة المكبوتة:
إن في بُرْدَيَّ جسما ناحلًا ... لو توكأت عليه لانهدم (1)
فكان يتوق إلى أن يستشعر نفسه خفيفًا كالورقة في مهب الريح، فتوافي هذه الصورة تعبيرًا رامزًا إلى التوق المستكن ما وراء الشعور الواعي. ولهذه الصورة أصول في الموروث من التراث الأدبي، في القرآن العظيم وفي غيره.
(1) الأغاني: 3/ 151.