الصفحة 37 من 41

يشترى الحمد والثناء ويرى الـ ... ذم فظيعًا كالحية الرقشاء

فالتأليف ما بين"الذم - الحية الرقشاء"يعتمد على حس دقيق في التوافق ما بين المعنوي والنظير والشبيه المادي، إن الذم ينفث السم المميت!

وهذا ما يجعل الصورة، عند بشار، من البيت في الموضع المستقر كأنها الجزء الطبيعي من التعبير ولو استقلت الصورة بالبيت كله، كقوله:

34 -يسقط الطير حيث ينتثر الحـ ... ب وتغشى منازل الكرماء

فهو الرديف البرهاني لما تقدمه:

33 -حرّم اللّه أن ترى كابن سلم ... عقبة الخطير مطعم الفقراء

ذلك أن التشبيه الضمني يتفتح شاهدًا واقعيًا، لا يُدْفَع على الكرم العمِّ كما يشهد لبشار بمحرزات ابتكارية تتأتى له في عنفوان النظم، ولكن النظر فيه يدل على أنه صناعة عقلية أكثر منه خطفًا خياليًا، ألا ترى إلى الربط ما بين الفعل"سقوط الطير - وعلته - انتثار الحب"وأعرق صوره إبداعًا تتداعى من عناصر ألّفَ بينها التفكير والتنسيق المنطقي الواعي، ألم يعجب النقاد والبلغاء بقوله:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (1)

وهي صورة ركّبها فكره البصير من عناصر يتزامنُ حدوثُها؟

وثمة فرقٌ بين الخيال الخلاق والخيال الفكري، فالأول يلمح الصورة في خطفة برق من الإبدال وتستوي له تامة متكاملة كقول الخنساء:

جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران مُلاءة الحَضْر

وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا على وكر (2)

(1) دلائل الإعجاز: 96، الجرجاني، ت: محمود محمد شاكر، القاهرة.

(2) ديوان الخنساء: ص 76، دار صادر، بيروت. الحضر: عدو الفرس. والملاءة: ريطة تلبسها المرأة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت