الصفحة 8 من 10

قد ذكرنا آنفًا أن كل سلعة يمكن أن تكون وسيطًا للتبادل. ولقد إستخدم الإنسان في تاريخه القديم القمح والأرز والتبغ والجلود والحيوانات ... الخ كوسيط للتبادل. لكن الكفاءة النقدية تختلف من سلعة إلى سلعة. وربما تميز الذهب على القمح والشعير والجلود بسهولة الحمل والتخزين وأنه لا يتلف ... الخ لكن جميع هذه الميزات متوافرة على النقود الورقية بل هي أسهل في الحمل من الذهب وأقل تكلفة في الخزن وتلك أهم المبررات لترك الذهب والاعتماد على العملة الورقية. لكن الميزة التي يتفوق بها الذهب على كل أنواع العروض والنقود الأخرى، بما فيها النقود الورقية، هي أن الكمية المعروضة منه محدودة تمامًا في الأجل القصير ولا تزيد في الأجل الطويل إلا بنسبة ضئيلة جدًا وغير قابل للصنع فلا يمكن زيادة عرضه في الأجل القصير. وبخلاف المعادن الأخرى فليس للذهب استخدامات تخرجه من نطاق العرض، ولذلك فإن الزيادة فيه لا تأتي إلا من خلال اكتشاف مناجم جديدة وهو أمر لا يتحقق إلا في الأجل الطويل.

إن محدودية العرض الكلي هي أهم ميزة في أي وسيط للتبادل (نقود) . بل أن كل ما حققه الإنسان من إجراءات حديثة مثل إنشاء البنوك المركزية وإعطاءها الصلاحيات المطلقة (كما في ألمانيا مثلًا) وتصميم السياسات النقدية، بل حتى إنشاء صندوق النقد الدولي في فكرته الأساسية (لأنه تحول الآن في أغراضه) الهدف الأساسي من كل ذلك هو السيطرة على العرض الكلي من النقود، وهذا أمر متوافر على الذهب بالخلقة (وهذا هو معنى كلام الفقهاء) وقد ذكر الاقتصادي الشهير ملتون فريد مان في معرض تدليله على أن هذه الميزة هي أهم عنصر في أي نقود، ذكر كيف أن الروس بعد قيام الثورة البلشفية بسنوات كثيرة عادوا إلى التعامل بالروبل القيصري مع علمهم الكامل بأن القيصر قد قتل وأن حكمه قد ذهب إلى غير رجعة، وكان ذلك بسبب واحد وهو يقينهم إن الكمية الكلية من روبل القيصر لن تزيد فتميزت بمحدودية العرض بينما أن عملة البلاشفة تتزايد كميتها يوميًا لكثرة إصدارهم النقود بلا رصيد. لعل مما يلفت النظر أن أكثر العملات استقرارًا اليوم هي تلك التي ارتبطت مع الذهب بطريقة أو بأخرى فالفرنك السويسري لا يزال هو العملة الوحيدة التي ينص قانون إصدارها بضرورة تغطيتها بالذهب بما لا يقل عن 40% ( [3] ) فلا غرابة انها أكثر عملات العالم استقرارًا.

من كل ذلك نقول أن الدولار والين والجنيه الاسترليني وما بني عليها من حقوق السحب الخاصة أو الدينار الإسلامي تتضاءل في نقديتها أمام الذهب لأنها جميعًا أدوات في يد الساسة الذين يزيدون المعروض منها متى شاؤا. وعندما نتحدث عن الذهب فإننا نقصد معدن الذهب وليس شهادات الذهب كما فصلنا في ذلك آنفًا.

هـ - الاعتراض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت