الصفحة 28 من 33

أولًا: لأن الشريعة إذ قضت بعدم جواز التعويض المالي على المدين المماطل لم تسو بينه وبين مؤدي الدين في وقته دنيويًا وأخرويًا، لأن الأول في نظر الشارع ظالم"مطل الغني ظلم"، والمسلم الذي آمن بالإسلام، وجعل الشريعة الإسلامية نظام حياته يخاف كل الخوف ويخشى عظيم الخشية من الوقوع في الظلم بعد ما حذرت منه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبينت أنه ظلمات يوم القيامة وسبب لسخط الله ونقمته على الظالم، وأوضحت كونه موجبًا لأشد العقوبات وأعظمها، وفاتحًا أبواب السماء لاستجابة دعوة المظلوم على ظالمه .. وهذا أمر عظيم هائل يكفي في زجر المسلم وإبعاده عن الظلم ولو لم يكن هناك غرامة مالية. وهذا هو المؤيد الشرعي الأول لرفع الجور والضرر عن الدائن.

ثانيًا: فإن خبا الوازع الداخلي عند المدين، وضعفت خشية الله في قلبه، فأخر الدين بغير حق، فعندئذ تعتبره الشريعة مسيئًا مستحقًا للعقوبة الزاجرة. والعقوبات الزواجر كفيلة بردع العاصي وكفه عن المخالفة بقوة لا تعدلها أية غرامة مالية.

أما عقوبة المدين المماطل فهي بإجمال: الحبس والضرب والتعزير بصوره المختلفة الحاملة على الوفاء دون تأخير.

قال ابن المنذر:"أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين، منهم مالك والشافعي وأبو عبيد والنعمان وسوار وعبيد الله بن الحسن وروي عن شريح والشعبي" [1] .

وبيان تطبيق تلك العقوبة: أن المدين الموسر المماطل يأمره القاضي بالأداء، فإن امتنع حبسه ليحمله عليه، فإن صبر على الحبس ضرب وعزر حتى يؤدي الدين، فإن أبى باع الحاكم ماله ووفى الدائنين حقوقهم.

قال النووي في"الروضة":"وأما الذي له مال وعليه دين، فيجب أداؤه إذا طلب. فإذا"

(1) موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي بن قدامه، المغني، الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، طبعة سنة 1401هـ، 4/ 499

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت