الصفحة 27 من 33

حتى يؤدي ما في ذمته من دين، وقالوا بضربه وتعزيره إذا أصر على الامتناع، حملًا له على الإسراع بالوفاء، فإن استمر في مطله باع الحاكم أمواله ووفى منها ديونه، رفعًا للظلم عن الدائن، وقمعًا لهذا اللون من الجور والإضرار، وزجرًا لمن تسول له نفسه ارتكابه.

ولا يقبل قول أستاذنا الزرقاء"إن معاقبة المدين المماطل جزاء تأخره في الوفاء لا يزيل الضرر الذي لحق الدائن، بخلاف التعويض المالي فهو وحده الذي يزيل الضرر عنه"لأن التعويض المالي الذي يريده لا يزيل الضرر عنه، بل يقابل الظلم بظلم من نوع آخر. إذ المسألة لا تعالجها أصلًا قاعدة الجوابر في الفقه الإسلامي، لخروجها عن نطاقها، وانضوائها تحت قاعدة الزواجر، التي تكفل رفع هذه المفسدة واستئصالها من حياة الناس. ولا محل لاعتراضه على ذلك بأن العقوبة ههنا لا تجبر، لأن العقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فالسارق إذا قطعت يده فهل القطع يزيل الضرر عن المسروق!! والقاتل إذا قتل قصاصًا فهل القصاص يزيل الضرر عن المقتول!! والمحارب إذا أقيم عليه حد الحرابة فهل تزيل العقوبة الضرر عن الأفراد المتضررين من حرابته!! فالعقوبة كما لا يخفى من شأنها زجر الناس عن الظلم واقتراف الذنب الموجب لها درءًا لمفاسده المتوقعة، فإن من يريد ارتكاب فعل موجب لعقوبة، إذا عرف أنه سيعاقب على اقترافه، فإنه يكف عن المخالفة، ويدع فعل المحظور، فيقع الازدجار العام الذي قصده الشارع من نظام العقوبات الشرعية.

أما تشنيع أستاذنا الجليل على من لا يوافقه في القول بإلزام المدين المماطل بالتعويض المالي عن تأخير الوفاء بأنه يلزم من عدم موافقته أن تكون الشريعة مساوية في النتيجة بين العادل المطيع الذي يؤدي الدين في وقته وبين الظالم العاصي الذي أضر بالدائن بتأخير الدين مطلًا، وأنها تكون مشجعة كل مدين على تأخير الحقوق ومطلها دون أن يخشى طائلة أو محذورًا، وأن الجزاء الأخروي للظالم المماطل لا يفيد الدائن المظلوم شيئًا في الدنيا، بينما سياسة الشريعة الحكيمة لابد أن تضمن الحقوق الثابتة في المعاملات الشرعية بالمؤيدات القضائية فهو قول غير سديد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت