الصفحة 26 من 33

مال مماثل معوض به بدل مال محقق فائت.

فشتان بين منافع الأعيان المعدة للاستغلال المحققة وقابلية الزيادة المحتملة بالنسبة للنقود فافترقا.

ثم إن اعتبار الأستاذ الزرقاء المدين المماطل بغير عذر ظالمًا أمر مسلَّمٌ لا خلاف فيه لنص الحديث على ذلك، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء. ولكن ليس كل ضرر يلحقه الإنسان بغيره ظلمًا يُعَدُّ موجبًا للتعويض المالي، وهذا أصل لا مراء فيه.

أما جعله التأخير أكلًا لمنفعة المال بغير حق خلال تلك المدة التي ماطل فيها، ليجعل مسؤولًا عن التعويض عنها بمال فغير مسلم، لأن قابلية النقود المحتملة للزيادة لا تعتبر منفعة محققة أكلها المدين المماطل عدوانًا حتى يطالب بالتعويض المالي عنها. بخلاف المنافع التي تقابل بمال في عقد الإجارة. ومن أجل ذلك لا يعتبر ما فوته المدين المماطل على الدائن مالًا حتى يطالب بجبره بالمال، فمبدأ الضمان المالي في الشريعة قائم على أساس المماثلة بين الفائت وعوضه، ولا مماثلة بينهما. والتعويضات الجوابر إنما تبنى على أساس استدراك المصالح الفائتة بردها بعينها أو بالمثل المساوي، والتعويض المالي المفترض ههنا مباين للفائت وليس مستدركًا له بالمساوي العادل، فلا يصح الحكم به .. وحيث لم تكن التسوية بين الفائت وبدله متحققة في التعويضات، كان التعويض المالي ظلمًا لا يصح ارتكابه شرعًا .. وقد نص الإمام العز بن عبد السلام في كتابه"قواعد الأحكام"على أن المضمونات شرعًا: إما أن تكون من ذوات الأمثال فتجبر بما يماثلها في المالية وجميع الأوصاف الخلقية. وإما أن تكون من ذوات القيم المالية فتجبر بما يماثلها في القيمة المالية لتعذر جبرها بما يماثلها في سائر الصفات [1] .

ولما كان ظلم المدين المماطل غير قابل للاستدراك بطريق التعويضات الجوابر، فقد سعت الشريعة الحكيمة لدرئه بواسطة العقوبات الزواجر، وهذا ما عناه الحديث الشريف"لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته". حيث فسر الفقهاء العقوبة فيه بالحبس، وحكموا بسجن المدين المماطل

(1) عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مصر: المكتبة الحسينية، 1353هـ، 1/ 151 أحمد بن إدريس القرافي، الفروق، القاهرة: مطبعة دار إحياء الكتب العربية، 1344هـ، 1/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت