الصفحة 25 من 33

مدة مقامه في يده، سواء استوفى الغاصب أو غيره المنافع أو تركها تذهب" [1] ."

وقال الرافعي في"فتح العزيز":"إذا تقرر ذلك، فكل عين لها منفعة تستأجر من أجلها، يضمن - أي الغاصب - منفعتها إذا بقيت في يده مدة لمثلها أجرة" [2] .

أما إذا كان المغصوب من النقود، وهي أموال لا تصح إجارتها بالإجماع، فلا يضمن الغاصب زيادة على مقدار المبلغ المغصوب مهما طالت مدة غصبه. وقد نصت مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد في المادة 1397هـ على ذلك، وعبارتها"لا يضمن الغاصب ما فوته على المالك من الربح بحبسه مال التجارة".

بل إن الشافعية في الأظهر نصوا على أنه لو غصب رجل دراهم، واتجر بها فربح، فالربح للغاصب، ولا يضمن للمالك أكثر من المبلغ الذي غصبه [3] .

فبهذا يتضح أن حق الانتفاع بالنقود إذا فوته المدين المماطل على الدائن، فإنه لا تصح مقابلته بضمان مالي في قول أحد من الفقهاء، بل إن نصوصهم صريحة في منعه. كما يتضح أن قياس الانتفاع والارتفاق بالنقود المستحق للدائن في حالة مطل المدين، على المنفعة المملوكة ملكًا تامًا للمغصوب، والمتقومة شرعًا بمال، والمقدرة بأجرة المثل، قياس مع الفارق.

-إذ الأول عبارة عن مجرد حق انتفاع غير متقوم بمال بالإجماع، ولذلك لا يجوز أخذ العوض عنه بحال، لأن النقود مال قابل للنماء بعمليات الاستثمار والاتجار بصورة غير محققة، فمنافعها محتملة مظنونة -إذ كثير ما تخسر أو لا تربح عند دفعها لشريك مضارب أو التعامل بها في التجارات- فمن أجل ذلك لم تصح مبادلتها بمال، ورفض جميع الفقهاء إجارة النقود.

أما منافع المغصوب المتقومة، المعدة للاستغلال، التي يصح ورود عقد الإجارة عليها، فهي منافع محققة، لها أجرة مثل، ويجوز نقلها بعوض ومبادلتها بمال، لأنها في نظر جمهور الفقهاء أموال متقومة، ومن هنا وجب ضمانها على الغاصب بناء على قاعدة الجوابر التي تقضي بوجوب إحلال

(1) منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، مكة المكرمة: مطبعة الحكومة، 1394هـ، 4/ 122.

(2) الكريم بن محمد الرافعي، فتح العزيز شرح الوجيز، القاهرة: مطبعة التضامن الأخوي، 1347هـ، 11/ 262؛ يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، دمشق: المكتب الإسلامي، 1388هـ، 5/ 13.

(3) يحيى بن شرف النووي، روضة .. ، مرجع سابق، 5/ 59؛ إبراهيم بن علي الشيرازي، مرجع سابق، 1/ 377.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت