الصفحة 4 من 18

إن التاريخانية المركزية الأوربية تتبنى أطروحة تقول بأن فريدرش كان من معتنقي مذهب الشك وقد ظل يشك إلى أن أتته ساعة الموت فارتمى في أحضان المسيحية من جديد. وليس في وصية فريدرش ما يشهد لهذا الادعاء وإن كانت هذه الوصية تمليها المصلحة السياسية والنظرة الديبلوماسية. ثم حرص فريدرش على تمرير حكم ألمانيا -مركز أوربا- وإيطاليا لذويه. ولعله أدرك منذ وقت طويل أن"كرسي القداسة"يتوخى الإبعاد النهائي لعائلة الهونشتاوفن. وبالفعل لم ينج ذكر من الذكور من سلالته بعد موته، بل طوردوا جميعهم. وإن تعجب فاعجب كيف أن فردرش صاحب العقل الراجح والفكر الثاقب يسقط ضحية مذهب الشك ولا يتفطن لما يعتري بنية هذا المذهب من وهن ونقص! فحسب شهادة إمانويل كانت -وهو رائد من رواد عسر الأنوار فعلا- يكون الشك بالنسبة للعقل العادي مثابة شراب مسهل ينتهي بتطهير هذا العقل ذاته من الوجود. أيعقل أن فريدرش صاحب الشجاعة والاستقامة العقلية يرتمي في حضن الأم الكنيسة حين إحساسه بدنو الموت؟ كلا، لأن في ذلك تصدعا رهيبا في حياة فريدرش ونوعا من الخيانة في حق الأشياء المقدسة لديه، ولعل القول بهذا هو عينه اللغز الحقيقي. إن ارتداء فردرش لثياب كثوب بعض الطرقيين المسيحيين هو الذي أوحى لبعض كتاب سيرته بالتحول في آخر أيام حياته فزعموا أن فريدرش تاب بحثا عن الاطمئنان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت