إن الشاهد القوي الذي يتقدم به هذا المؤرخ يفصح عن حرج الكاثوليك وإصرارهم على عدم أخذ الدين الحقيقي لفريدرش الثاني بعين الاعتبار:"من الملاحظ أنه ليس هناك من تلميح إلى الخلاف اللاهوتي الذي فصل الكنيسة الاغريقية عن اللاتينية، فمجادلات فريدرش لا تأتي إلا في سياق أخلاقي (1) عبر هذا كشف عن عدم فهمه تمام الفهم للانشقاقات البيزنطية. لقد حالت ذهنيته وعدم وجود الاهتمام الديني لديه بينه وبين تقدير هذه الظواهر."
ليس من الغرابة في شيء أن يعتبر بورساري عدم الاكتراث بالحيثيات اللاهوتية الدقيقة التي طبعت الجدال الإغريقي الروماني الناتج بالأساس عن العقيدة المسيحية القائلة بأن المسيح هو ابن الله مثابة انعدام تام ومؤكد للاهتمام بالدين عموما. أما بالنسبة للمفكر النابغة العبقري، القيصر الذي بهر معاصريه كرجل سياسة وعالم طبيعيات ورجل منطق وفيلسوف، فقد كان يرى في الهدف"الأسمى"المتمثل في الفصل الدموي للغرب عن الشرق، ضربا من الحماقة الكبيرة، ليس غير. وقد آثر كتمان ذلك وملازمة سكوته الساخر -لقد قام الصراع كله حول المسألة التالية: هل الروح القدس وحده هو الذي"ولد"من طرف الإله الأب-"ولد"بكب وضوح وليس"خلق"- وهذا يعني الإله الأب بأعضائه التناسلية! أم إنه"ولد"من الإله الأب والإله الابن مجتمعين؟ إن هذه اللاهوتية الغربية التي وفقها يولد ثالث من الأب وولده، هي التي كانت وراء تسرب أفكار عميقة إلى نفوس اللاهوتيين المسيحيين العزّب فدفعت بهم إلى التحمس لهذا الصراع ثم لخوص حروب دامية.
(1) - لا يتنافى هذا بدون أدنى شك مع المنطلق الأخلاقي الإسلامي إذ ينتقد المسيحية الرومانية انطلاقا من وجهة نظر فذة بعيدا عن وجهة نظر الأرثودوكسية الإغريقية. ففي هذه الرسالة على وجه التحديد يتحدث رجل مسلم إلى صهره الاورثودوكسي الإغريقي.