استدعى الطبيب فريق العمليات .. ثم حملوني كالجنازة .. وألقوني على سرير في غرفة العمليات ..
بدأت أنظر إليهم .. لا أملك من أمري شيئًا .. وكلت أمري إلى الله .. غلبني البكاء فبكيت تمنيت أن أرى أمي وأبي لأقبل أيديهما .. بل والله وألثم أرجلهما .. قبل أن أودع الدنيا .. دعوت الله واستغثت به: ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .. ثم رفعت بصري إلى السماء وقلت: يا أرحم الراحمين .. إن كانت هذه عقوبة فأسأل الله المغفرة والرحمة .. وإن كانت بلاء فارزقني الصبر على البلاء .. وعظم لي الأجر والجزاء .. ثم غلبني البكاء .. فأخذ الممرضون يصيحون بي بلغة أعجمية .. لم أفهم ما يقولون .. لكني كنت أعلم أنهم يصمتونني .. غالبت نفسي .. وتصبرت ..
ذكرت هادم اللذات .. وتفكرت في انحلال الملذات ..
طالما سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أيامي ..
كلما نصحني الناصحون .. قلت: عن قريب أتوب .. وما تبت ..
قد غرّني فيما مضى شبابي .. وجمال سيارتي وثيابي .. ونسيت الاستعداد للحياة الأخرى .. والله لقد عظمت كربتي .. وذهبت قوتي .. وغدًا يصبح التراب فراشي .. ليتني كنت من قوّام الليل .. الذين أطار ذكر النار عنهم النوم .. وأطال اشتياقهم إلى الجنان الصوم ..
فنحلت أجسادهم .. وتغيرت ألوانهم ..
تفكرت في الحشر والمعاد .. وتذكرت حين يقوم الأشهاد ..
ويلي .. إن في القيامة لحسرات .. وإن في الحشر لزفرات .. وعلى الصراط عثرات .. وعند الميزان عبرات .. والظلم يومئذ ظلمات .. والكتب تحوي أخفى النظرات .. والحسرة العظمى عند عرض السيئات .. فريق في الجنة يرتقون الدرجات .. وفريق في السعير يهبطون الدركات .. وما بيني وبين هذا إلا أن يقال: فلان مات ..