والوجه الثاني: أنَّه يعلم أنَّ منزل هذا البلاء، حكيم لا يجهل، وعالم لا يغفل، عليم لا ينسى، رحيم لا يطغى، وإذا كان كذلك فكان كلُّ ما صدر عنه حكمة وصوابًا، فعند ذلك يسكت ولا يعترض.
والوجه الثالث: أنَّه ينكشف له أنَّ هذا البلاء من الحق، فاستغراقه في شهود نور المُبْلي، يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء، ولذلك قيل: المحبة التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء، فهذا هو الصبر الجميل. أما إذا كان الصبر لا لأجل الرِّضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض، فذلك الصبر لا يكون جميلًا، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أنَّ كلَّ ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسنًا وإلا فلا [1] .
وقال يحيى بن معاذ: الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر.
وقال ذو النون المصري: الصبر التباعد من المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
وقال أبو علي الدقاق: فاز الصابرون بعزِّ الدارين؛ لأنَّهم نالوا مِنَ الله معيَّته فإنَّ الله مع الصابرين.
ونظر علي بن أبي طالب إلى عدي بن حاتم كئيبًا حزينًا فقال له: ما لي أراك كئيبًا حزينًا؟ فقال: وما يمنعني يا أمير المؤمنين وقد قتل أبي، وفقئت عيني؟ فقال: «يا عدي بن حاتم، إنه من رضي بقضاء الله جرى عليه، وكان له أجرًا، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه، وحبط عمله» [2] .
وعن عبد الله بن مسعود قال: «لأن يعض أحدكم على جمرة حتى تطفأ خير من أن يقول لأمر قضاه الله ليت هذا لم يكن» [3] .
وشكا رجل إلى الحسن سوء الحال وجعل يبكي، فقال الحسن: يا هذا كل هذا اهتمامًا بأمر الدُّنيا، والله لو كانت الدُّنيا كلها لعبد فسلبها ما رأيتها أهلًا لأن يُبْكَى عليها.
قال صفي الدين الحلي:
كُنْ عن هُمُومِكَ مُعْرِضَا وكِلِ الأُمُورَ إلى القَضَا
وابشرْ بِخَيرٍ عَاجِلٍ تنسى به مَا قَدْ مَضَى
فلَرُبَّمَا اتَّسَعَ المضيقُ ورُبَّمَا ضَاقَ الفَضَا
ولَرُبَّ أمرٍ مُسْخِطٍ لَكَ في عواقبه رِضَا
اللهُ يفعلُ ما يشاء فلا تكنْ مُعْتَرِضَا
(1) ـ تفسير الرازي 18: 431.
(2) ـ رواه البيهقي في شعب الإيمان، (9808) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق 40: 94، وذكره المزي في تهذيب الكمال 19: 530.
(3) ـ رواه البيهقي في شعب الإيمان، (213) ، وفي القضاء والقدر (412) ، و (152) ، وقال: هذا إسناد صحيح وروي عن عبد الله مرفوعًا. وابن أبي شيبة في المصنف 8: 165، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1: 71.