اللهُ عَوَّدَكَ الجميلَ فَقِسْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى
وعروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه قطعت ساقُه ومات ولدُه في يومٍ واحد، فلما جاءه النَّاس ليخفِّفوا عنه ويواسوه، قال: إني واللَّه لراضٍ عن ربي، فقد أعطاني اللَّهُ أربعة من الولد فأخذ واحدًا وأبقى ثلاثة فالحمد لله، وأعطاني أربعة أطراف فأخذ واحدًا وأبقى ثلاثة، فالحمد لله.
قال الشيخ عمر السهروردي:
ويمنعني الشَّكوى إلى النَّاس أنَّني عليلٌ ومَنْ أشكو إليه عليلُ
ويمنعني الشَّكوى إلى الله أنَّهُ عليمٌ بما أشكوه قبلَ أقولُ
قال بعض العلماء: من كان نظره في وقت النِّعَم إلى المُنْعِم لا إلى النِّعْمَة، كان نظرُهُ في وقت البلاء إلى المُبْلي لا إلى البلاء، فيكون في جميع حالاته غريقًا في ملاحظة الحقِّ، متوجهًا إلى الحبيب المطلق، وهذه أعلى مراتب السَّعادة.
والله عز وجل لطيفٌ بعباده، وهو أدرى بما يصلحهم، قال تعالى: {وَعَسى أن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فعلى العبد التسليم لأمر الله في كل أمر من أموره، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره» [1] .
وللّه في أثناء كُلِّ مُلمَّةٍ وإنْ آلمتْ، لُطْفٌ يحضُّ على الشُّكرِ
وقال الشيخ ابن عطاء الله: «مَنْ ظَنَّ انفكَاكَ لُطْفِه عن قَدَرِه، فذلك لقُصُورِ نَظَرِه» .
قال الشيخ محمد بن حسن الشهير بابن عجلان الحسيني الشافعي الدمشقي (المتوفى سنة 1096) مضمنًا في آخر القصيدة بيتي أبي العباس المرسي:
حتَّام في ليل الهمو م زناد فكرك ينقدحْ
قلبٌ تحرَّق بالأسى ودموع عين تنفسح
ارفق بنفسك واعتصم بحمى المهيمن تنشرح
واضْرَع له إنْ ضَاقَ عنـ ـك خناق حالك ينفسح
ما أمَّ ساحةَ جوده ذو محنة إلا منح
أو جاءه ذو المعضلا ت بمُغْلق إلا فتح
فَدَع السِّوى وانهج على نهجِ السَّوِي المتضح
واسمع مقالة ناصح إن كنت ممَّن ينتصح
(ما كان إلا ما يريـ ـد فدع مرادك وانطرح
واترك وساوسك التي شغلت فؤادك تسترح) [2] .
(1) ـ رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق، (420) ، والدولابي في الكنى والأسماء (1285) .
(2) ـ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي 2: 392. وآخر بيتين للشيخ أبي العباس المرسي كما في آخر كتاب: «حل العقال» للأديب الشيخ عبد الله الحجازي الحلبي.