فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 11

وسُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ التوكُّل، فَقَالَ: «الرِّضا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» [1] .

وقال بعضهم: «كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ بِاللهِ التَّوَاضُعُ لَهُ، وَكَمَالُ التَّوَاضُعِ الرِّضا» [2] .

وقال أبو سليمان الدارني: «الرِّضا عن الله عز وجل والرحمة للخلق درجة المرسلين» [3] .

ولما وعد الله المؤمنين جنات عدن، تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها لا يزول عنهم نعيمها ولا ينفد، قال تعالى: {وَرضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ} ، فرضوان الله ورضاه عن العبد أكبر من ذلك كلِّه، كما قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبّيك ربَّنَا وسعْدَيك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك. قالوا: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك! قال: أُحِلُّ عليكم رضوَاني، فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا [4] .

والدرجة الثانية: أنْ يصبرَ على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرِّضا بالقضاء، وفي الصَّبر خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ الله أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجر. قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، وقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} . قال الحسن: الرِّضا عزيزٌ، ولكن الصبر معولُ المؤمن.

والفرق بين الرِّضا والصبر: أنَّ الصَّبر: كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخط مع وجود الألم، وتمنِّي زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرِّضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمنِّي زوال ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسُ بالألم، لكن الرِّضا يخفِّفُه لما يباشر القلبَ من رَوح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرِّضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية [5] .

وقد أمر الله تعالى بالصبر الجميل فقال: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} ، عن الحسن رضي الله عنه قال: الصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى إلا إلى الله.

قال الإمام الرازي: فالصبر الجميل هو: أنْ يعرف أنَّ منزل ذلك البلاء هو الله تعالى، ثم يعلم أنَّ الله سبحانه مالك الملك، ولا اعتراض على المالك في أنْ يتصرَّف في ملك نفسه، فيصير استغراق قلبه في هذا المقام مانعًا له من إظهار الشكاية. (وهذا الوجه الأول) .

(1) ـ رواه البيهقي في شعب الإيمان (1217) ، وابن أبي الدُّنيا في التوكُّل على الله (17) .

(2) ـ رواه البيهقي في شعب الإيمان (1218) .

(3) ـ رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 9: 262.

(4) ـ رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار (6183) .

(5) ـ انظر: جامع العلوم والحكم، شرح الحديث التاسع عشر: (يا غلام إني أعلمك كلمات .. ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت