ويزور بي شيخ أهلي - وأنا صغير- القاهرة، فيجوب بي الصحراء، ويجتاز الأودية، ويسلك المفاوز، ويتعثر في الجلاميد نشدانًا لضريح ابن الفارض سعيًا على القدم!! وهناك حيال الوثن الفارضي، يغني مرافقي قصيدة ابن الفارض:
"نسخت بحبي آية العشق من قبلي"فتذرف عيناه وعيناه الدموع، ويحترق قلبي وقلبه شجنًا على هذا العاشق المحروم، عصف به الغرام، وأضناه الحرمان!! كل هذا كان !! ثم ماذا؟!
ثم هداني الله سواء سبيله، وسلكت بي رعايته مسلك التوحيد والإيمان، فماذا حدث بعد؟! تطلعت نفسي إلى الماضي الوثني - وهي نهب حسرة حزينة المأساة، وخميل وأفراح معطرة - تطلع الناجي من السعير ما زالت في أتونه المتأجج ضحايا تعسة منكودة جنت عليه الصوفية ما جنت عليّ، وتطلعت إلى الريف الحزين، يستعبده شيوخ الطرق، ويغصبون أيتامه ما يوصوص فيهم من رمق خاب الشعاع، وأرامله ما هن في حاجة ملهوفة إليه ليسددن خلة، أو يستر عورة، ومساكنيه حتى الذبالة المحتضرة من حشاشتهم.
تطلعت إلى الريف الوديع تجعل منه الصوفية فساد عقيدة، وضلالة فكر، وذلة ومهانة في الأخلاق، وردغة بدع وجهالة وخرافة وأساطير، وعبودية خانعة لهوى الأحبار، وسدانة يعكف فيها السدنة على بغي طواعيتهم، يبشرون بسماحة بره. وأريحية رحمته!!.
وتطلعت إلى المدينة يعبث في أرجائها الصوفية، فتحيل أهلها - حتى الكثير من المثقفين منهم - عبيد قبور، وعباد جيف، وأحلاس منكر وزور، وموالي أذلاء لكل طاغية!!.
تطلعت إلى هؤلاء وأولئك، وذكرت ما كابدته، فصرخت موجعًا من هول الفاجعة أحاول إنقاذ الضحايا التعسة. المغذة السري وراء الذئاب الضواري من الصوفية!!.