وإخالك الآن تود لو تسوى بي الأرض، أو تدهمني - على غرة صاعقة، إذ يجري على لسان الحق ذكر ابن الفارض منعوتًا بالزندقة وتعجب أن يكون سلطان العشق الصوفي زنديقًا!!
وما علي - برحمة الله - مما تود، ولن يمنعني عجبك في ذهوله من أن أحكم على ابن الفارض بما ارتضاه هو دينًا له وتدبر ما سأنقل لك عنه من تائيته، فلعل يزول عجبك، وينفثئ غضبك.
…جلت في تجليها الوجود لناظري……ففي كل مرئي رآها برؤية
يزعم أن الذات الإليهة هتكت عنه حجب الغيرية، وجلت له الحق المغيب، فرأي حقيقة الله متعينة بذاتها في كل مظاهر الوجود، رأي هذا الكون المادي بكل ما يدب عليه، أو يغتال الحياة والأعراض في غياهب ليله الساجي، ومغاوره المظلمة، رآه هو عين الله وماهيته، ورأى وجوده عين وجوده، فما تم من شئ عند ابن الفارض إلا وهو الله، بل ما للرب - رب ابن الفارض- وجود سوي وجود تلك الصور المادية، أو الذهنية المنطبعة عن شئ متحقق، أو متوهم، أو متخيل. أما وقد نعق بهذا البهتان، فليفتر لنفسه ما يترتب على الإيمان به؛ لهذا راح يزعم أنه بذاته اتحد بذات ربه، فكانت الثنائية في الاسم، وكانت الوحدة في الحقيقة والوجود، وأنه في جلوة تلك الوحدة يشهد في ذاته وصفاته وأفعاله ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن هذا يعبر.
…وأشهدت غيبي، إذ بدت، فوجدتني …هنالك إياها بجلوة خلوتي
شهد"هوية"الوجود الإلهي، أو باطنه،"إنية"وجوده هو، أو ظاهره، فلم يجد للرب وجودًا سوى وجوه ولا لذاته كيانًا متقومًا غير كيانه، فهتف في جذل البشرى: أنا الله!!
بيد أنه خشي أن يتوهم أحد أن هذا الشهود وهم طارئ، أو حال عارض أو صورة من حلم أسبل لها فكره وعينه، خشي هذا، فقال:
…ففي الصحو بعد المحر لم أك لغيرها …وذاتي بذاتي، إذ تحلت ، تجلت